د.ياسر عيسى الياسري

 

 د.ياسر عيسى الياسري

 
        مرايا ياسر العظمة 2006 تعكس هموم المواطن العربي وانكساراته



تقف مرايا ياسر العظمة في طليعة السلاسل الدرامية السورية المستمرة ومنذ سنوات طوال على العكس من السلاسل الأخرى التي قدمتها الدراما السورية مثل (عيلة خمس نجوم ) و (وبقعة ضوء ) و (جميل وهنا ) إن جاز لنا أن نعتبرها سلسلة لتكرار ظهور أيمن زيدان ونورمان اسعد فبعد انتهاء ما في جعبة القائمين على إنتاج بقعة ضوء من مواضيع يختلط فيها الواقع بالخيال وانحسار الواقع لصالح المعالجة الفنتازية لهذا الواقع تماشيا ً مع ما كان سائدا في الدراما السورية وتحديدا الأعوام التي انطلقت فيها فنتازيا التاريخ الدرامي على يد ( نجدت أنزور) لذا لم تصمد بقعة ضوء طويلا ً على الرغم من أنها شكلت تفردا ً غير مسبوق في الدراما العربية من خلال جعل المضمون مفتاحا ً لأي شكل مغلق على المشاهد تقدمه هذه الأعمال ولكن انشغال القائمين عليها إخراجا وتأليفا ً بإيجاد أشكال جديدة بل ومستعارة من نماذج التجريب في السينما متناسين حقيقة التلفزيون التي لا أقول بأنها لا تحتمل التجريب ولكن مجالات ذلك التجريب في التلفزيون تبقى محدودة بطبيعة الوسيلة التي تقترب من كونها جهاز منزلي أولا ً وأخيرا لا يمتلك تقاليد مشاهدة تصلح للتأمل واستنباط التجربة الجديدة وتمثلها وبعد ذلك يأتي دور التفاعلية في المشاهدة والحصول على المشتركات اللغوية صوريا ً وصوتيا ً ما بين المرسل والمتلقي كل تلك الأمور مضافا ً إليها بث السلسلة في رمضان مما يجعلها عرضة للمنافسة مع غيرها من الأعمال وبل والمقارنة والتي ربما تكون لغير صالح العمل إن كانت هناك أعمال مقدمة بنفس الاتجاه

أما مرايا ياسر العظمة فكانت مميزة في واقعيتها المحلية والمنطلقة من الإطار المحلي إلى مجمل الواقع والهم العربي وهذا الأمر طبيعي لجيل كامل من الفنانين السوريين على صعيد التأليف والإخراج والتمثيل فتجربة الماغوط و دريد لحام هيمنت ولفترة طويلة على طبيعة تقديم المواضيع ذات الهم العربي المشترك وخصوصا ً في المسرح وياسر العظمة هو من ذلك الجيل الذي نشأ على هذه الأساسيات الدرامية إلا أن عطاء العظمة بقي متواصلا ً على العكس من دريد لحام الذي لم يعد منه شيء سوى أمجاد الماضي وبعض البرامج المختلفة الأسماء المتشابهة المضامين في بعض القنوات الفضائية والتي غالبا ً ما تأتي بعد حرب ضد بلد عربي او نكسه ما هنا أو هناك أما ياسر العظمة وان أصبحت لياقته البدنية لا تسمح له بشخصيات ذات نمط حركي وأداء جسدي مرهق إلا انه تمكن في مرايا 2006 ان يتجاوز مثل هذه المصاعب بحرفته وخبرته ووجود المخرج هشام شربتجي ونخبه من الممثلين المتناغمين في الأداء معه بحيث لا يشعر المشاهد بثقل حركة ياسر العظمة .

افتتحت المرايا بحلقة مميزة هيمنت شكلا ً ومضمونا ً على كل الحلقات التي تلتها فكانت عبارة عن تقليد لبرنامج عالمي قدم بشكل عربي من قبل جورج قرداحي تحت عنوان ( افتح قلبك ) وفيها يظهر العظمة بدور مسئول عربي يأتي إلى البرنامج لأنه يشعر بالذنب تجاه المواطن العربي المسلوب الإرادة والمستكين يبدأ هذا المسئول العربي بدخول احتفالي إلى اللاستوديو وساعدت ملامح ياسر العظمة المتلونة بمظهر ينم عن الشر والسلطة والنفوذ في إعطاء مقدمات للمشاهد إلى ما ستؤول إليه الأمور في مجريات الحلقة ويقف على النقيض من ذلك الممثل النجم باستحقاق ( عبد المنعم عمايري ) الذي نجح في أداء دور المواطن العربي الذي كان ينتظر في غرفة جانبية ريثما ينتهي المسئول العربي من البوح والاعتراف بالذنب وبالأخطاء التي أرتكبها ضد المواطن المسكين مما يجعل المقدم محرجا ً وهو يحاول التخفيف من السباب والشتم الذي كان المسئول يوجهه لنفسه مما يشكل نوعا ً من الكوميديا السوداء وهي السمة التي تغلف المرايا منذ نشأتها تلك الكوميديا المغلفة بالأداء الحزين ذي الابتسامة من قبل المواطن العربي الذي لم يكن يتوقع من سيقابل وبعد أن ينتهي المسئول العربي من تطهير نفسه من أللانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان يقدم الحل العربي لتلك الانتهاكات وذلك بتقديم الاعتذار من هذا المواطن المسكين الذي يدخل إلى الأستوديو مرتجفا ً عندما يرى المسئول العربي يقف أمامه معتذرا ً عن أخطاءه وتكون الاستجابة بفقدان الوعي من قبل هذا المواطن العربي الذي تلقى صدمة قوية فلا يوجد مسئول عربي انتهك حقوق المواطن العربي قادر على الاعتذار لأن هذه الكلمة غير موجودة في ثقافة المسئولين العرب بشكل عام وينتهي اللقاء بدعوة عشاء مصالحة بين المواطن والمسئول ويصعد المواطن ولأول مرة في السيارة الفارهة لهذا المسئول وما أن تبتعد السيارة قليلا حتى يعود المسئول للغة الحوار التي يعرفها المواطن العربي فينتهي تلك اللوحة بركلة من حذاء المسئول تلقي بالمواطن العربي خارج تلك السيارة التي من غير المسموح لهذا المواطن أن يفكر بها أن يركب بداخلها .

وفي لوحة أخرى جسدت العلاقة ما بين المواطن العربي وسجانه الذي أدمن لغة التعذيب والضرب ففي لوحة الفزاعة يؤدي ياسر العظمة دور السجان المسئول عن التعذيب واخذ الاعترافات بالقوة من المواطنين الذين يشكلون خطرا ً على الوطن وتشاء الصدف أن ترفض الإدارة تمديد خدمة السجان وفي الوقت نفسه إطلاق سراح المواطن الذي أدى دوره عبد المنعم عمايري فيذهب السجان إلى بيته محاولا ان يجعل منه سجنا آخر في محاولة للبقاء ضمن الجو الذي أدمنه ويحاول بشتى الطرق تبديل بيته المشمس بقبو يشبه المكان الذي كان يمارس فيه تعذيب المواطن الذي وصل إلى بيته بعد غياب طويل ليجد عائلته بانتظاره ولكنه لا يستطيع أن يعيش في جو الأسرة لأنه أيضا أدمن المعتقل فهو لا ينام إلا على الأرض ولا يدخل الحمام إلا والباب مفتوحا ً ويحاول أن يجد مكانا ً للسجن الانفرادي داخل بيته وينتهي به الأمر إلى مستشفى الأمراض العقلية أما السجان فتتركه عائلته هاربة ً منه ويعتزل في المزرعة ويعمل فزاعة بدلا ً فزاعة الخشب لعله يجد من يخاف منه بعدما أبتعد عن المكان الذي يمنحه قوة الخوف التي يزرعها في نفوس ضحاياه .

ولأن المواطن العربي مثقل بهموم لا نهاية لها نجد في إحدى اللوحات ذلك المواطن (كذلك أدى الدور عمايري ) يسير غارقا ً في هموم لا نهاية لها فتصدمه سيارة يتبناه ياسر العظمة الرجل المستوحد دون عائلة وينصحه أن يعيش معه بلا هموم ولكن هذا المواطن يرفض إلا أن يبحث عن عائلته وأطفاله وعن طريق إعلان تلفزيوني يتعرف الجميع عليه ومن دون أن يشعر به احد يستمع ذلك المواطن إلى تاريخه المنسي فهو أب لثلاثة أولاد والرابع في بطن أمه وهو لم يدفع أجرة مسكنه منذ سنه ولم يسدد ما بذمته للبقال منذ ستة أشهر وهو مطلوب في قضية جلسة محاكمتها قريبة جدا ً وأمام هذا الواقع المظلم يعاود هذا المواطن الهروب من جديد ولكن هذه المرة يختار مكانا ً مقفرا ً وطريقا ً للشاحنات ويختار بنفسه شاحنة كبيرة لتصدمه هذه المرة فيموت وهو مبتسم ففقدان الذاكرة أصبح حلا ً قديما لتلك الهموم التي يعاني منه لذا أختار فقدان الحياة التي لا يملكها هو نفسه .

أما بقية اللوحات فكانت حكايات عن الواقع العربي بكل تفاصيله وانكساراته وبعضها مأخوذ من التراث ومعالج بشكل عصري وبعض تلك المرايا اجترار لواقع الخلافات العربية التي لا نهاية لها والطابع الغالب في مرايا هذا العام هو ذاته في كل المرايا من خلال سيطرة مطلقة لأداء ياسر العظمة الذي يقود في أحيان كثيرة حتى المعالجات الإخراجية التي كان من واجباتها الرئيسية مجاراة أدائه ولكن يأبى مخرج بتاريخ هشام شربتجي إلا أن يضع بصماته على السلسلة فلقد تميز الأداء الإخراجي لمرايا 2006 بطابع معين حافظ فيه على المعالجة (البرختية) التي تميزت بها المرايا السابقة والتي دائما ما يكون فيها حوار مباشر بين الممثل والمشاهد عن طريق الكاميرا يكسر الحاجز الوهمي ما بين المشاهد وما يجري أمامه أما بالنسبة للبناء التكويني للكوادر الإخراجية فكان المخرج يعمل بطريقتين الأولى مع الممثل منفردا ً من خلال تقسيمات الوجه أو الأداء الجسدي والحواري أمام الكاميرا والثاني من خلال توظيف مكونات المشهد الأخرى من ديكورات وأكسسورات وتناغمها مع حركة وسكون الممثلين مع سيطرة مطلقة على المكان الخارجي وسلاسة تعامل الكاميرا معه من خلال توظيف مفردات ذلك المكان لصالح اللوحة وهو كان محقا ً في تسمية الحلقات باللوحات ففيها تكامل الأداء العام للتمثيل ومساعداته الإخراجية وهذا القول ينطبق على ياسر العظمة فقط . . إضافة إلى الكاميرا الريشة والقلم التي كان يكمل بها لوحاته التي شكلت جزءا من انعكاس لواقع عربي توشك هذه المرايا ان تضيق به بل وتوشك أن تتحطم إذا ما رفض المسئول العربي أن تظهر صورة الحقيقة في المرآة حتى وان كانت المرآة لا تقدم الصورة إلا معكوسة الاتجاهات .
 

 

*******

*yasirhass@gmail.com
 

مشاركاته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة فنون