د.ياسر عيسى الياسري

 

 

مسلسل الباشا . . .
أنصف نوري السعيد تاريخياً ولم ينصف نفسه فنياً

وأخيرا خرجت الدراما العراقية التاريخية من خجلها المزمن من التاريخ القريب واعني به تاريخ المملكة العراقية الذي طالما وصف بالعهد الملكي البائد على الرغم من ان كل الدلائل التاريخية تشير الى وجود ديمقراطية قل نظيرها في بلدان العرب والشرق الأوسط في تلك الحقبة القاسية بعد الاحتلال التركي ولم ينصف التاريخ المزور أهم  شخصية سياسية تفوقت على زمانها بنصف قرن ان لم  يكن اكثر الباشا نوري السعيد الذي انتهى نهاية لا تليق بشخص قدم للعراق وللعرب الكثير الكثير من الانجازات . .. وهنا جاء المسلسل الذي انتج بعيدا عن بغداد (لظروف أمنية ) . . في التأليف  الدرامي المسرحي الكبير فلاح شاكر وفي الإخراج المجتهد دائما المخرج فارس طعمه التميمي والتمثيل لنخبة رائعة من العراقيين والعرب يقف على رأسهم الكبير في الأداء عبد الخالق المختار الذي كان دائما يهزم المرض المزمن الذي يعاني منه عندما يؤدي بتلك الروحية التي تذوب في الشخصية فلا نذكر عبد الخالق الا في التايتل عندما يذكر اسمه  وذلك لذوبانه في شخصية السعيد وزانت هذا الاداء الفنانة هديل كامل في دور نعيمة زوجة الباشا التي لطالما كناه بها خصومه فيوصف انه ( رجل نعيمة ) . . ونحن في هذا العمل امام اسماء مهمة وكبيرة في تاريخ العراق وتاريخ الدراما العراقية وأبدأ  بالؤلف   فلاح شاكر الذي قدم لنا في رمضان العام الفائت (المواطن ج ) كناية عن صعوبة الحصول على جواز (ج) الذي شكل في وقته معضلة للعراقيين في الخارج لكنه في هذا العام يتصدى لموضوع تاريخي مهم جدا لطالما كان مثار خلاف شعبي ورسمي على مدى الحكومات المتعاقبة على العراق ولولا تلك الفسحة التي اتاحت لفلاح شاكر ان يخطو باتجاه السعيد لبقي الرجل وحياته طي الكتمان والحكايات الشعبية  . . برع شاكر في ادارة الحوارات باستثناء الحوارات الجافة المنقولة من مصادر تاريخية  وخصوصا تلك التي يجب الالتزام بنص الحدث التاريخي فيما يتعلق بالاحداث السياسية التي مر بها الباشا اما من ناحية البناء المتكامل لشخصية السعيد فكانت متوازنة جدا بحيث قدم المسلسل الحياة الاجتماعية داخل منزله ولم يقدم حياته وعلاقته مع عامة الشعب وهو المعروف عنه أي السعيد كثرة علاقاته مع الناس وبساطة تعامله وكثرة استخدامه للمفردات الشعبية البغدادية الا ان المؤلف وقع في اخطر ما يمكن ان يقع فيه المؤلف التلفزيوني وهو الاستذكار فكما هو معروف ان للاستذكار او ما نسميه بلغة الاختصاص (الفلاش باك) والعودة بالإحداث إلى الوراء وقبل ان استعرض سلبيات هذا الاسلوب احيل القارئ الكريم الى نموذج اجنبي وهو فلم (المريض الانكليزي ) الذي سردت جميع احداثه بالفلاش باك الا انه لم يظهر مشهد لم يكن البطل المستذكر موجودا فيه اما الاستخدام العربي فهو منافي لابسط القواعد الدرامية التي يجب ان يلتزم بها المؤلف ليستطيع التعامل مع الاسلوب الصعب في العودة الى الوراء مع المحافظة على الايقاع الصوري الخارجي والايقاع الداتخلي للشخصية المستذكرة للاحداث مع ايجاد توازن بين الشخصية في الحاضر ونفس الشخصية في الماضي بحيث يكون الحاضر نتيجة منطقية للماضي واقصد هنا منطقية دراميا وليس حياتيا على الرغم من تداخل الامرين الا ان صناعة الدراما تشذب زوائد الحياة التي لاتهم المشاهد لا من قريب ولا من بعيد واعتقد ان رأفت الهجان من اكثر النماذج الدرامية العربية اثارة للجدل الاكاديمي حول عملية الفلاش باك فمن يستذكر من وكيف تستذكر الشخصيات احداث لم تعشها و لايوجد مبرر منطقي لان يكون هذا الحدث من ضمن استذكارات الشخصية فكل من التقى او سمع برأفت الهجان له القدره على استذكاره ولكن ان يكون هناك فلاش باك لرأفت الهجان وهو داخل حدث فلاش باك غير مبرر اكاديميا ومنطيقيا فكيف يستطيع انسان ان يتجول في عقل انسان لم يفصح عما في دواخله له وهكذا وبحرفنة المخرج يحيى العلمي وقوة اداء محمود عبد العزيز وجدة الموضوع المخابراتي على الشاشة العربية لصاح مرسي اعفى المسلسل جماهيريا من تلك الهفوات الدرامية الخطيرة بكل معنى الكلمة ولا ادري لم يقع خبير درامي من الدرجة الاولى كفلاح شاكر بهذا الخطأ الذي اصبح شائعا فانا كمشاهد اعترف انني لم اشاهد الحلقة الاولى ولم يتسن َ لي ان اطلب من الزملاء او الاهل ممن شاهدوا الحلقة الاولى ان اعرف طبيعة سير الاحداث واذا بي أفاجأ بكارت يظهر ان الاحداث في عام 1958 والسعيد عجوز وهارب من ثوار تموز في منزل صالح البصام هنا اصبت بصدمة درامية زعزعت ثقتي بالعمل ككل لانني اقف امام اغرب فلاش باك درامي على الاطلاق ليس له علاقه بخرق القواعد من اجل ابداع شئ جديد فنوري السعيد محاصر مسدسه بيده والكل يجري خلف رأسه المطلوب من الثوار والخيانات التي تعصف بكل كيانه وحزنه على مقتل العائلة المالكة وابنه صباح فكيف لرجل في مثل هكذا موقف يستذكر تاريخ العراق وتاريخ تأسيس اللمملكة العراقية بكل تفاصيلها الدقيقة ليعبر بعد ذلك باستذكاراته لشخصيات عديدة وصل الامر الى غرف نومها وهو امر اطاح بالبناء الدرامي العام للمسلسل ولولا بعد القطع بين استذكار واخر لهوى المسلسل منذ اولى الحلقات الا ان فلاح شاكر واذا ما ادرنا وجهنا من مرارة المعالجة التأليفية نجدة قد خلق توافقا دراميا بين الشخصيات التي عاصرت الباشا والتي شكلت بمجملها ذاكرة العراقيين لتلك الفترة الرصافي . . حبزبوز . . الملا عبود الكرخي . . ابراهيم عرب وكل ساسة العراق كما يحسب للمؤلف الإجادة في عملية الإسقاط الفكري بين بداية تأسيس الدولة العراقية على الأحداث في الوقت الحاضر وكأنه يريد الوصول بنا الى حقيقة ان نوري السعيد وقبل أكثر من نصف قرن شخص الحالة العراقية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا الا اي حكومة لم تنصف الرجل الذي الى الان تصفه بعض الأقلام بالخائن والعميل وغيرها من الوصفات الجاهزة لسحب ومصادرة تاريخ اي شخصية مهما كانت وطنيتها بالخيانة والعمالة . . اما  الزميل والمخرج فارس طعمة التميمي فكان أمام تحدي التحديات فكيف يكون العمل عن العراق والتصوير خارج العراق وكيف يكون العمل عن بغداد ولا بغداد في المكان وكيف يكون العمل عن دجلة ولا دجلة تداعب أمواجها جرادق البغداديين كان المكان التحدي الأول والكبير أمام المخرج وبكل أسف أقول ان المكان ضرب العمل في عمق إحساس الشخصيات وعلاقتها به فلا (( درابين )) المحلات البغدادية ولا شارع الرشيد ولا كورنيش دجلة ولا القشلة والقصور الملكية كانت موجودة فالمكان في العمل التاريخي واعمال السيرة بطل يشترك مع الشخصية الرئيسية وبقية الشخصيات لذا كان هناك انفصال تام بينها وبين المكان الذي اجتهد التميمي ان يتجاوزه ولكن شمس الشام التي لا تشبه شمس بغداد لم تسعفه في التصوير الخارجي بل حتى الغبار الذي نتضايق منه وهو السمة المميزة لجو بغداد افتقدته الشخصيات وبالتالي انعكس المكان على إحساس المشاهد الذي أبعدته الظروف التي يمر بها البلد عن تلك الاماكن التي لو قيض للعمل ان يصور فيها – ومعظمها موجود – لكان عملا ملحميا يحكي قصة نشوء دولة العراق الحديثة الا ان المخرج حاول قدر الإمكان السيطرة على المكان بالعزل بأجساد مجموعات الكومبارس تارة وباللقطات المغلقة والكبيرة تارة اخرى مع التركيز على الأثاث والأزياء لتمرير بعض مشاكل المكان الا انها ظهرت بتأثير اخر عبر بشكل واضح عن تلك المشكلة فلم يضع المخرج فواصل الانتقال المنطقي المتتابع من مكان الى اخر لانه لا توجد لدية بدائل مكانية فائضة يمكن استخدامها لملء الفراغ بين انتقال وأخر فعلى سبيل المثال لا الحصر يظهر الباشا في مكتبه ثم قطع يظهر الباشا عند الملك ثم قطع يظهر الباشا في بيته وهكذا دواليك وتكررت تلك المشاهد على طول المسلسل الا ان ما يحسب للمخرج هو إدارته الناجحة للمثلين من مدارس درامية مختلفة البعض منها كالسورية ترى انها الآن سيدة الشاشة العربية والمصرية التي تحاول الوقوف من جديد والعراقية التي أثقلتها الحروب والمنافي فكان هناك انسجام وتوافق رائع بين العراقيين والمصريين وهنا استبعد ادوار الممثلين من سوريا لأنهم مثلوا ادوار الانكليز وهي ادوار محصورة بوظيفتها السياسية ليس الا اما الممثل المصري فكان متداخل في الجانب الاجتماعي من خلال مصاهره السعيد وعلي باشا إذ تزوج صباح السعيد من عصمت علي باشا وهنا كان من الممكن ان تحدث مشاكل في اللهجة الا ان تلقائية أداء الممثل العراقي امام المصري واحتفاظ كل منهم بلهجته أوصل العمل الى بر الأمان فلم تكن هناك فروق ادائية بين القديرة هديل كامل التي مثلت كل بساطة المرأة العراقية وان كانت زوج باشا ورئيس وزراء وبين ميرنا المهندس التي مثلت كل الاتكيت المصري الموروث من فرنسا وتركيا كذلك عالج المخرج النهاية بحكمة اذ لم يظهر عملية قتل وسحل الباشا بالحبال بل أبدل العملية بجموع الشعب الثائر وفوهة المسدس الذي يصوب نحوه الا انه أي الشعب لم يكن مدركا لتلك الفوهة التي لا أجد في تفسيرها وجود لنوري السعيد بل هي استعارة رمزية لما جرى من أحداث في العراق بعد زوال العهد الملكي ولا أريد هنا ان أصادر حرية تفسير هذا المشهد المفتوح على تفسيرات شتى من قبل الجمهور الذي تابع الباشا الذي أنصفه العمل تاريخيا ولكنه لم ينصفه فنيا .    *******

yasirhass@gmail.com
 

مشاركاته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة فنون