د.ياسر عيسى الياسري

 

 د.ياسر عيسى الياسري

 

في الذكرى الدائمة لرحيل المعلم وشيخ السينمائيين العراقيين جعفر علي*


  
سنوات تمر على رحيلك يا جعفر وبصمت أكبر كل عام كما كان موتك بصمت أيها
 
المعلم لا ادري هل هو حظك العاثر أن تكون مبدعا في بلد يقضم أجمل سنوات مبدعيه
 
ومن ثم يقدم لهم المراثي بعد موتهم ولكن المفارقة معك أنهم لم يحتفوا بك لا
 
حيا ً ولا ميتا ً. .

كنا ثلاثة أنا والدكتور مجيد الخطيب والدكتور إسماعيل خليل نقف أمام مقصلة الطب
 
العدلي ببغداد ننتظر وننتظر حتى يأذن او يقتنع الجلاد انك تجاوزت السبعين وليس
 
على جسدك المنهك المتعب من فراق الأحبة من حرج أو مسئولية في أن يخلد لراحة
 
أبدية وليس هناك من جريمة في ان يخلد لراحة أبدية هو بحاجة اليها .
 
معذرة أستاذي كنت أود أن أتكلم عن انجازاتك في السينما العراقية وكم تخرج من
 
تحت يديك ولكن موتك الأسطوري وكيف تعامل معه الرسميون يجعلني لا أنسى ذلك اليوم
 
الذي ربما لن ينمحي من ذاكرتي المتعبة .
 
استذكار جعفر علي استذكار ذو شجن على الأقل بالنسبة لي فجعفر علي صاحب تجربة
 
المنعطف، والجابي والكثير من الأعمال المسرحية، والنقدية بالإضافة انجازه
 
ترجمة السفر التعليمي الكبير" فهم السينما " لجانيتي . . كنت معه في
 
اللحظات الأخيرة لكوني المدرس المساعد الذي ادخل معه إلى قاعة المحاضرات
 
ماذا استحضر عن جعفر علي . . استحضر موته المأساوي وهو يقف في طابور مع
 
حفيدته ليتسلم دواء الأمراض المزمنة وحينما يسقط جسده يؤخذ إلى الطب
 
العدلي.. أوحينما ذهبت من الجادرية إلى الطب العدلي لأجد الدكتور مجيد الخطيب
 
والدكتور إسماعيل خليل.. وكنا و نحن نستلم جثمان جعفر لم نجد صورة له كي نعلقها
 
على التابوت وهو الذي كان محاطا ً بالمئات من الصور مفارقة أليس كذلك .
 
كانت أيامه الأخيرة توحي بموت بطئ فقد بدأ يفقد كل شيء فزوجته قتلها متهور
 
في نفق الشرطة.. وابنته الدكتورة قد ماتت هي الأخرى.. اما حبيبته وابنته العزيزة
 
السينما فكان يشاهد موتها البطئ يوميا .. كان حزنه كبيراً.. لكنه كان يزرع
 
الأمل رغم كل شيء، الحصار والدمار.. كان يقول صوروا بالفيديو.. المهم المعالجة
 
الدرامية للنص المكتوب والمرئي وكم من الطلبة كنت تسهر الليالي معهم
 
ترتدي معطف  المختبر الأبيض تتحمل رائحة مواد التحميض وتصحح النسب وتعتني بالمختبرات كأنها  أولادك وبالفعل بعدك اندثرت تلك المختبرات بحجة الحصار ونقص المواد.
 
اذكر وحين كنت محررا في صفحة الفن السابع اعددنا والزميل صفاء صنكور ملف عن
 
جعفر علي.. ولكن جاء الرفض من رئاسة التحرير في حين عندما توفى المخرج
 
الايطالي فليني وافق رئيس التحرير على ذلك فوراً. لماذا؟ وألف لماذا وأنا
 
أتلقى في اليوم التالي صفحة بديلة لم يكن فيها سوى موضوع واحد يستذكرك وعندها
 
وبعدها كان فراق بيني وبين صفحة الفن السابع التي لم يحترمها احد ولم يحترم
 
غيابك فيها احد ولم يدافع عما انجزناه من شيء بسيط يكرم ذكراك التي لم
 
يستذكرها الا الصحفي علي حمود الحسن في جريدة الصباح قبل عام . . حتى قاعة
 
العرض التي سميت فيما بعد باسمك بعد موتك بسنوات طالها القصف لأنهم وضعوا قربها
 
أجهزة إرسال تلفزيوني في حرب 2003 واحترقت العارضات السينمائية التي بقيت
 
محافظا ً عليها وكنت تعلمني كيف أتعامل مع تلك الآلات التي تبعث ضوءا ً ساطعا
 
من أقطاب كربونية كنت تقول إنها منقرضة ولكن لا يوجد أفضل منها لمنح الضوء
 
الكافي لعرض فلم سينمائي ولكنني لم انجح في رعاية تلك الآلة الضخمة عندها أحسست
 
وبرؤية المعلم أنني لا أحب الآلات واعشق النظرية فكنت أول من درسنا على يديه
 
أرسطو وفن الشعر كنت تحاول أن تبسط للطلبة المفاهيم الدرامية لأرسطو وكنت قد
 
بدأت لتوك وضع مائة سؤال وجواب عن الدراما لم تنجز منها سوى ثلاثين سؤلا كان
 
الكتاب سيكون شرحا ً جديدا ً لأرسطو ، ربما كان سيكون الكتاب الأكثر حداثة في
 
الوطن العربي لا بل في العالم ولم لا وترجمتك لكتاب فهم السينما نهشتها دور
 
النشر لم يعطوك شيئا ً من حقوقك المادية على الرغم من أنهم وضعوا اسمك كمترجم
 
لهذا العمل الضخم وهذا ما كان يحمل لك الأمل في انك كنت ستطالب يوما ما بحقك
 
ولكن حقك كان مسلوبا في وطنك فمن الذي سيعطيك حقك في بلدان أخرى. . 
 
كنت أراك من بعيد كحلم وأنت لا تشارك أحدا ً في جلسة او حوار وقتها كانت الحرب
 
العراقية الإيرانية تحصد الأرواح البريئة والخائفة كانوا يتهمونك بأنك من
 
التبعية الإيرانية ومتشيع والعديد من التهم وكان البعض الآخر يتهمك بأنك شيوعي
 
ولا يجوز وجوبا الاقتراب منك في عرف الدين والسياسة التي كانت سائدة في العراق
 
آنذاك ولكنني اكتشفت انك إنساني كبير لا تنتمي الا لإنسانيتك تفلسف خطب
 
ومقولات الإمام علي وتدرس علم الجمال الماركسي ضمن منهج درس علم الجمال الذي
 
حاولوا اختطافه منك ولكننا نحن تلاميذك استطعنا ان نسيطر على دروسك و لا نسمح
 
لأحد بتغير المنهج الذي وضعته . .
 
معلمي اعلم أنني مهما تكلمت ورثيت ستبقى في داخلي تلك الصرخة المكتومة ونحن
 
نعود بك الى مبنى كلية الفنون الجميلة لنجدها وقد أصبحت ساحة تدريب عسكري اصطف
 
فيها الطلاب مرعوبين من العرفاء والمدربين على السلاح وعند دخول جنازتك انفرط
 
النظام وسط ذهول العسكر من هذا المحمول على خشبة يزاحم هيبة الوقفة العسكرية
 
قال مهدي احد الطلبة انه جعفر وحملوك في ساحات الكلية وفي شوارع الوزيرية كم
 
كنت كريما في موتك الذي حفظ لك هيبتك من ان يرغموك على النزول إلى ساحة
 
التدريب كما فعلوا بالفنانين الشيوخ حسدك بعضهم وبكى آخرون لموتهم الذي لم
 
يحن بعد وكم كان بعضهم يرغب ان يشرب نخبك الأخير. كنت تحب ان تشرب مما يصنعه
 
صاحب حداد من جهاز التقطير الخاص به كنا نقول لك مات صاحب بسبب افراطه في
 
الحزن وتعاطي الكحول وكانت لك نظريتك الخاصة قلت لي اجلب لي قدحا من الماء
 
الآسن هكذا كنت تصف ماء دجلة في تلك الأيام وعندما جلبت لك الماء مسكت
 
القدح الزجاجي  الملي بالرواسب وقلت اذا أبدلتم هذا الماء مرضتم لان جسدكم تعود عليه وانا جسدي تعود الكحول ولكل جسد مقوماته ولكن ولأول مرة لم تكن نظريتك في مكانها
 
الكحول والحزن والخوف جعلت من جسدك مرتجفا تعبا وصولا إلى آخر مكالمة
 
هاتفية بيني وبينك حيث كنت مساعدك في التدريس أو كما أسمي نفسي صانع جعفر علي ما
 
تزال تلك الكلمات ترن في أذني حزنا لا ينقطع كنت متعبا وعائدا ً لتوك من مقبرة
 
النجف تبكي شباب ابنتك، عفوا كان بكائك داخليا صامتا رجف جسدك طويلا أمام قبر
 
ابنتك وبقي البكاء نعمة تفتقدها أيها الصلب جاءني صوتك من بعيد . . ياسر هل
 
انتهيت من إجراء امتحانات الفصل الأول للدراسة الصباحية . . نعم أستاذي
 . .
امتحن طلبة الدراسات المسائية انا اعلم موقفك منهم ولكن فيهم طلاب جيدون . . حاضر
 
أستاذ . . وصحح الأوراق أنت وقل للجميع انا متعب جدا و لا يكلفوا أنفسهم عناء
 
المجيء إلي ولا ترسل لي أي بريد أو أي أوراق امتحانيه ولا تعطي الأوراق
 
الامتحانية لأحد انا رتبت موضوع تدريسك المواد النظرية مع الوزارة ستجد كتابا
 
بهذا الخصوص عند المعاون العلمي أراك بعد العطلة . . ولم يكن هناك شيء بعد
 
العطلة سوى دموعي وصرخة مكتومة بقيت الى الآن وكلما جاء يوم 2 \ 2 وتعود الذاكرة
 
الى العام 1998 وهنا أريد ان أجعلك تبتسم قليلا كانوا يلمونني على بكائي عليك
 
فالبكاء لا ينفع لا يقدم و لا يؤخر حتى جاءني ذات يوم الفنان النحات محمد
 
مهذول يدعوني إلى غداء فاخر ونحن في قمة الحصار استغربت في البدء وبعدها أخذ
 
محمد بتذكرك وتذكيري بيوم تشييعك وإنني أنا والأستاذ جليل أوحينا إليه بموضوع
 
فني من خلال بكائنا وخصوصا انه كان معجبا ببكائي الصامت وبدموع جليل التي كانت
 
تنهمر وهو يصوب عدسة الكاميرا ليأخذ اللقطات الأخيرة لتشييعك في الكلية 
 
أرأيتم ببكائي فزت بوجبة غداء ربما كنت ستضحك وتطالبني بنصف الوجبة لأنك كنت
 
أنت من علمتني أن أبكي بصمت. وابقي صرختي مكتومة لأرفع اسمك أينما حللت واحمل
 
همك العراقي أينما كنت . . تؤلمني ذكرى موتك جعفر . .
 
يؤلمني ان الوطن الذي علمتنا حبه غدا غابات للموت . . تؤلمني تلك الدماء التي
 
أبعدت ذاكرة الوطن عنك ولو للحظات . . يؤلمني ان قنديلك المضاء لم يعد قادرا
 
على تفتيت الظلام الذي اخذ يتكاثف من حولنا . . يؤلمني أنني سأخيب ظنك واترك
 
رسالتك التي حملتني لأوصلها لمن سيأتي من تلاميذ . . . معلمي ما عاد التلاميذ
 
يحبون أرسطو و لا علم الجمال وهم يرون الموت ليلا ونهارا كنت ستعذرني لو واجهت
 
عيونهم المتعبة من منظر قبح الموت الهمجي والانقطاع الدائم للضوء وارتجافهم
 
عندما يسمعون أصوات الانفجارات القريبة والبعيدة وزخات الرصاص التي طالت البعض
 
منهم نسوا كيف يحبون وأنت تعلم أننا دون الحب لا نعيش نسوا قراءة الشعر
 
والروايات والقصص القصيرة . . معذرة معلمي ان تركت مكاني فما عدت قادرا على
 
الاحتمال . . وأعود الى ذكراك وأقول وداعا معلمي وامسح دمعك وأنت ترى عراقك
 
محطما ً وانت ترى حلمك قد غدا مستحيلا في عودة السينما العراقية بعد فقدنا
 
العراق نفسه .
 
وهنا أسمع صوتك يقول لي عندما تبكيني أبكي معي العراق ولكن تذكر أن العراق لا
 
يموت عنقاء أسطورية تنهض من تحت الركام تمنح الارض مطراً غزيرا ً يغسل آثار
 
الدماء واليد الهمجية ما يزال في النخلة الرطب والعين تنظر من خلال عدسة
 
الكاميرا مستعدة ليوم يعود فيه العراق من رحلة التعب الطويلة لتلتقط صورة
 
لمستقبل أفضل . . كل عام والموت بعيد عن ذكراك معلمي مع محبتي تلميذك الدكتور.ياسر الياسري

 

*******

*yasirhass@gmail.com
 

مشاركاته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة فنون