|
|
|
د.ياسر عيسى الياسري |
|
|
حاول العديد من النقاد ان يضعوا ما وصلت إليه الدراما العربية في سوريا وفي بعض الأعمال تحديدا في خانة الوصول الى الصورة السينمائية وهنا اختلف معهم جملة وتفصيلا فللسينما سحر صورتها وللتلفزيون هموم المشاهد المغلوب على أمره وهو محاط في جو منزلي مليء بالأعمال والمفاجآت من دخول ضيف الى انقطاع التيار الكهربائي (هذا في العراق فقط ) وغيرها من الانشغالات الأخرى لذا لا أحيل الدراما العربية والسورية بالذات الى محاولة الوصول بالدراما التلفزيونية الى الشكل السينمائي بل كانت تلك محاولات الى سحب الدراما الى منطقة شاعرية غريبة بعض الشيء عن إعلامية المادة التلفزيونية وحصار الفواصل الإعلانية وهاهو (باسل الخطيب) يبرهن ان الحاضر كالماضي والتاريخ مليء بالشعر التلفزيوني في مسلسل رسائل الحب والحرب لريم حنا تأليفا ومن تمثيل نخبة من نجوم الشاشة العربية من الكبير سلوم حداد وفواخرجي الى قصي الخولي ورامي حنا والعراقية الرائعة ريم علي والنجمة القديرة صباح جزائري قد تبدو الحلقات الأولى من المسلسل حلقات عادية جدا من حيث الشكل والمضمون ولكنها تبدأ بإيقاع باطني دقيق جدا لم أر مثيلا له في الدراما العربية إيقاع سيطر عليه المخرج وأعانه الأداء المنضبط والمتناغم مع فكرته من قبل فريق العمل ممثلين وفنيين حيث استطاع ان يخرق وببراعة أهم قواعد الإخراج التلفزيوني في الابتعاد قدر الإمكان عن اللقطة العامة والحرص الشديد عند استخدام الرمز كذلك عند الانتقال من فترة زمنية الى أخرى تستوجب تغيير جذري في شكل وهيئة الشخصيات حتى استبدال الممثلين بآخرين يناسبون عمر الشخصية في الزمن الذي وصلت اليه القصة تلك الانتقالات الزمنية العالية الدقة والتي تجعل المشاهد ذاته لا الشخصية فقط ينتقلان معا وببساطة وسلاسة تضمن نوع من التماهي العاطفي مع تلك الشخصيات بل وتجعل المشاهد طرفا في الانتقال الذهني نحو فترة زمنية ربما يكون عاش جانبا منها فعليا او عاش الجانب الخبري فقط وهنا يضمن المخرج هذين المشاهدين الأول في محاولته الإمساك بتلك اللحظات التي عاش جانبا منها ولم يتمكن من العودة اليها لأي سبب نفسي او مادي والثاني الذي لم يعش التفاصيل الدقيقة وإنما عاش على سماع الخبر والتعليق وهنا يكون راغبا في ان يعيش تلك الفترة من حياة المنطقة العربية الملتهبة الا ان تلك الانتقالات الزمنية وسيطرته على المشاهد وجعله طرفا في تلك المعادلة ولكن بهدوء ودونما شعارات مدوية بل ان هناك نوع من الشعارات ذات الشغل المزخرف والمنمنم بطريقة تجعل الأمور الأخرى مبررة ولكنها دائما شعارات تظهر في خلفية مشاهد مسلسلات الخطيب كمسلسل نزار قباني بعضها يأتي على شكل رموز سياسية تنم عن كلمات لا مجال مباشر لذكرها في المسلسل خدمة للغة الإيجاز التي يتقنها الخطيب دون غيره من المخرجين العرب وربما البعض منهم ون ان نلتفت اليها و لا أريد هنا ان أتعمق في تلك الرموز والشعارات الصامتة التي أطلقها الخطيب دون ان يصرح بها لمشاهده علانية تاركا لذلك المشاهد مدى قدرته وثقافته على تفهم تلك الأشياء التي وضعها بدقة في مسلسله رسائل الحب والحرب على الرغم من سلبية الشخصية الرئيسية ذات الجدائل وعدم قدرتها الجسدية والمعنوية على رفض الواقع الذي سيقت له من خلال شخصية المسئول ابو ضرار الذي حطم حياتها وادخل زوجها وحبيبها الى السجن بتهمة الخيانة للوطن والشرف والمبادئ ذلك الرجل الذي سد منافذ الهروب امام تلك الشخصية التي لا تمتلك الا جمال وجهها وجدائل لم يرض ابو ضرار ان يتركها وهو ذاهب الى الحرب الى المجهول بل قام بقص تلك الجدائل واصطحبها معه الى المجهول ولكن في غياب تلك الجدائل وغياب ابو ضرار الذي غيبته الحرب استطاعت شخصية فواخرجي (نيسان ) ان تجد نوعا من التحرر و الانعتاق كذلك بغياب تلك الشخصية عادت شخصيات مهمة الى الظهور بعدما غادرت الوطن بسبب التهم الباطلة والفساد (المبرر ) من قبل المخرج والمؤلفة في نهاية العمل لكل ما ارتكبته يد ابو ضرار من آثام بل ربما تكون تلك الأفعال غير الأخلاقية سببا في ولادة كاتب كبير ومناضلة قضت أجمل سنوات حياتها في معتقل الخيام الإسرائيلي في لبنان وبغض النظر عن المحتوى الفكري الذي ارجع اليه الفضل في جعل المخرج ينتفض عليه ليشكل قصيدته الدرامية التلفزيونية من خلال التصريح الواضح ان للتلفزيون إيقاعه الخاص وشاعريته التي يمكنها ان تبتعد عن فنتازيا التاريخ دون ان تنال منها سهام الهجمات الإعلامية للتلفزيون صحيح ان الصورة اتكأت على الكلمة ولكن لم تسمح لها ان تتفوق عليها وإنما جاءت الكلمات والحوارات المليئة بالشعر لتسد الثغرات في الإيقاع الشعري التلفزيوني لرسائل الحب والحرب على الرغم من ان الكثير من المشاهد واللقطات تمت صناعتها بشكل حرفي ولكنه لم يشذ عن تلقائية الأداء الإخراجي والتمثيلي للمجموعة التي ترافق أسمائها معظم أعمال باسل الخطيب ويبقى لباسل قدرته الخلاقة في المحافظة على إيقاع الزمن في المدينة العربية وتماسك هذا الإيقاع على الرغم من الانتقالات العديدة التي حدثت في المسلسل الا ان سيطرة لمخرج على تلك الانتقالات ساهمت في المحافظة على الإيقاع الشعري العام للقصيدة الدرامية فسكونية التطور في المدن العربية كانت حاضرة وهي ما ساعدت المخرج على التمسك بها في محاولة للسيطرة على الزمن بعد ان لا يتدخل المكان كثيرا في لعبة تغير الزمن وهو ما يلجأ اليه جل مخرجي الدراما تلفزيونية كانت أم سينمائية ولكن الخطيب سمر المكان وانطلق يتقدم بالزمن غير عابئ بالشيب الذي يجب ان يحيط بشخصياته غير عابئ بشيخوخة المكان ذاته بل قدم زمنا عربيا يخطو الى نهاية عصر من الهزائم الى عصر آخر من انهيار القيم العربية القومية زمن احتلال العرب للعرب دون الدخول في تداعيات هذا الزمن فرسائل الحب والحري لم يكن الا رسالة وصيحة بوجه الزمن العربي الرديء فعندما كان لبنان يحترق كان العرب كل منشغل بحروبه وانتصاراته الوهمية على أعداء الداخل ولعل المسلسل يكشف إعلاميا حجم التضحيات التي قدمتها القوات السورية في حرب 1982 في لبنان دون غيرها من القوات العربية التي بقيت تدعوا بالنصر والحفظ للجميع ولعل هذا التداعي يقود الى حرب تموز التي خاضتها المقاومة اللبنانية دون العرب ودون سوريا فأي رسالة خطيرة تلك التي يقدمها ذلك الفلسطيني الخطيب عن الحرب القادمة مع إسرائيل ومن الذي سيخوضها وحيدا . . . رسائل أتمنى ان تكون شاعريتها مقدمة لعصر درامي عربي جديد بعيدا عن شوارع الحارات وحضرة العمدة والبيك والغني والفقير دراما تضع العرب امام العرب ولكن بشكل شاعري ليتفكروا ما الذي سيحدث بعد ان تنتهي هذه الرسائل من الفتى الفلسطيني والممثل السوري والعراقي واللبناني والفلسطيني |
|