د.ياسر عيسى الياسري

 

 د.ياسر عيسى الياسري

صورة الجنوبي في الدراما العراقية

منذ بدايات الدراما في العراق ولا اقصد بها التلفزيونية فقط بل بكافة أشكالها احتلت صورة الإنسان الجنوبي أو الشخصية النموذج لهذا الإنسان الأهمية الأولى بعد شخصية الإنسان البغدادي ولم يكن تناول تلك الشخصيات بمعزل عن بيئتها أو حتى البيئة البديلة للمدينة التي تعيش فيها تلك الشخصية ولعل أساطين الغناء الريفي في العراق كحضري أبو عزيز وداخل حسن ومسعود العمارتلي وناصر حكيم لهم أثرهم الكبير ولأغانيهم في تشكيل الذائقة العراقية لمتلقي ذلك الوقت وحتى نموذج شخصية أبو كاطع التي كانت يقدمها الروائي المرحوم شمران الياسري تنم عن وعي ذلك الإنسان الجنوبي الذي نفض عنه غبار الإقطاع لينطلق في مسيرة إصلاح اختطتها ثورة 14 تموز إلا أنها وبسب التداخلات الإقليمية والداخلية فقدت الكثير من الانجازات التي كان من الممكن أن تقدم لإنسان الجنوب ليجد ذلك الإنسان نفسه في مفترق طرق فلا هو ابن مدينة ويستطيع التمازج معها  ولا هو بقي ابن ذلك الريف الذي فقده والى الأبد فظهرت أنماط من التصرفات التي حملها الجنوبي معه إلى المدن التي سكنها ومن ضمنها بغداد وبسبب تعدد اللهجات الجنوبية التي كانت غريبة على سكان المدن  آنذاك اتخذت بعض هذه اللهجات كموضع سخرية وتندر لأنها لم تظهر في وسطها الطبيعي علما أن بعض الباحثين ومنم فوزي رشيد والدكتور غالب المطلبي يرجعون الكثير من هذه اللهجات إلى الحضارة السومرية ولهجات قبائل عرب الجزيرة بينما كانت اللهجة البغدادية عرضة للمفردات التركية والفارسية ومن ثم الانكليزية لذا كانت تلك اللهجات الريفية عرضة للسخرية من قبل أهل المدينة ولقد استغلت بعض الشخصيات الجنوبية هذه الميزة بنظرها للحفاظ على مهنتها وانتعاش أعمالها في السوق التجاري وعندما نشأت الدراما في العراق جعلت من بعض تلك النماذج الريفية كمادة كوميدية إلا أنها وفي بداية التلفزيون لم تكن كذلك فعلى سبيل المثال يتذكر جيلنا ومن التمثيليات الريفية كفدعة مثلا والكوميديا قيس وليلى في الأرياف وهي عبارة عن توليفه عن قصة قيس وليلى أبدع فيها الفنان سلمان الجوهر والفنانة سليمة خضير إل! ا أن المسرح العراقي هو من كان البادئ بتقديم الشخصية الجنوبية التي لا توضع في أي نص مسرحي شعبي إلا للإضحاك فقط ولكن المخرج المصري إبراهيم عبد الجليل قدم رائعتي عادل كاظم جرف الملح والدواسر اللتان قدمتا وعلى مدى شخصيتين فقط فكاهيتين الأولى في جرف الملح للفنان قاسم الملاك والثانية في الدواسر للفنان عبد المط لب السنيد والمعروف أن الفنان قاسم الملاك فنان كوميدي أصلا أما عبد المطلب السنيد فكان فنانا قديرا كبيرا قادرا على يتلون بحسب الدور الذي يلعبه مما شكل علامة في الأداء الدرامي للمثل العراقي آنذاك إلا أن طغيان التأثير لتلك الشخصيتين وفقدان شخصية عبوسي للفنان الكوميدي حمودي الحارثي جعل المؤلفين يحاولون زج الشخصية الريفية بمناسبة أو من دون مناسبة في أعمالهم الدرامية كان ذلك الأمر طاغيا في المسرح حيث شكل المسرحيات الريفية متنفسا للمشاهد حيث كانت تقدم نوعا من النقد الساخر لما يجري ولو بصورة مبطنة وان كنت اشك أن الدولة كانت هي التي تغض الطرف لكون تلك الأعمال عبارة عن ماصة لانفعالات المتفرجين وتحت السيطرة والرقابة الإعلامية الصارمة وخصوصا أثناء الحرب مع إيران لذا لم يكن غير الجنوبي ملاذا للمؤلفين وللمثلين الهاربين من أتون الحرب إلا أن التمادي في الموضوع ! شوه وبشكل كبير شخصية الجنوبي وأصبح الجنوبي مضحكا من دون أن يتكلم عندما تفصح ملابسه عنه والتي كانت يعمد الممثلون إلى ارتدائها بشكل مهين ومذل لتلك الشخصية حتى أنني أربأ عن ذكر الأشكال التي كان يخرج بها الممثلون المناط بهم تلك الأدوار وكأن الجنوب مجموعة من المهرجين بلفظهم الجيم ياء أو التشديد على حرف من الأحرف وغيرها من الأمور الجنوبية التي بدل من أن تكون تراثا أصبحت تراثا للتهريج مما شجع عددا من أبناء المحافظات الجنوبية الذين يتمتعون بحس الفكاهة إلى طرق أبواب المسارح كلؤي احمد وناهي وماجد ياسين وحافظ لعيبي وغيرهم من تلك المجموعة التي جذبت ممثلين آخرين بعضهم طور من طريقة أداءه وخرج من لبوس الجنوبي كحافظ لعيبي ولؤي احمد بينما بقي ماجد ة ياسين وناهي على نفس المنوال والتكرار في تقديم الشخصية الجنوبية بشكل فج ومثير للشفقة أكثر مما هو مثير للضحك ولقد استغل برنامج كاركتير الذي تبثه قناة الشرقية الشخصية الجنوبية لتكون علامة مميزة لهذا البرنامج الذي يعالج مشاكل الحياة اليومية لعراق ما بعد الاحتلال وما وصل إليه المجتمع العراقي نجد ان الشخصية الجنوبية ما تزال تقدم بوجهها القبيح وجه المه! رج المستغل فتارة يستغل أبناء العم من الجنوب مضيفهم البغدادي بانتظار ول ادة ميعاد وتارة يستغل هؤلاء الجنوبيون كرم نسيبهم الكردي ويقيمون لديه دهرا ويقدم البرنامج أسوأ ما في الشخصية الجنوبية كشخصية لا إحساس لها وتعيش خارج وقتها لا علاقة لها بما يجري مستغلة تحاول أن تمتص الآخرين إلى ابعد حد . أما مسلسل ماضي يا ماضي الذي بثته السومرية فلا يستثني أحدا من أهل الجنوب إلا وقدمه بطريقة اقل ما يمكن ان يقال عنها أنها معيبة بحق شعب حضاري قدم العشرات بل المئات من الفنانين العلماء والأطباء والأساتذة كل ذلك التاريخ يختصر بمجموعة اختير لها مكان محدود لترشيد الإنفاق في الإنتاج والاعتماد على اكبر قدر ممكن من الترهات الحوارية والمشاكل التي لا تجد حلولا لها إلا بالضرب وإسقاط العقال والكوفية والبطل أيضا ماجد ياسين إضافة إلى الفنانة أنعام الربيعي التي نسيت دهرا أنها من الجنوب لتعود بشخصية جنوبية مهلهلة البناء على الرغم من أنها قدمت أعمال أفضل بكثير ولكنه الاحتلال البغيض الذي يدعونا إلى تقديم الشخصية الجنوبية الثائرة بالتهريج على الأوضاع التي أفرزتها أحداث ما بعد 2003  على الشارع العراقي بشكل عام وجعل المتلقي العراقي الذي يس! تمع في الأخبار إلى مأساة يفوق حجمها حجم الوطن يختتم بتهريج ينسيه الدماء المراقة وبشكل يومي على ارض العراق أن كان هناك تيار كهربائي من أي مصدر يسمح للمتلقي العراقي أن ينفس عن غضبه تجاه ما يجري ولو كان البث محليا لهان الأمر ولكن البث أصبح فضائيا فإذا كان هذا هو النموذج المقدم للعراقي الجنوبي الرازح إلى الآن تحت وطأة الفقر والفاقة وتحت أقدامه اكبر ثروات العراق ان الشخصيات النموذج التي تقدم لهذا الإنسان المبتلى على مر العصور والحكومات تجعل من يشاهده يقول (يستأهل ) .
لقد قام المصريون منذ عام 2000  بأكبر حملة صحفية وملفات ودراسات معمقة لقضية صورة الصعيدي في الدراما التلفزيونية المصرية رافضين أن يكون الصعيدي او النوبي مثارا للسخرية والضحك لأنهم يعدوه من بناة الحضارة المصرية الفرعونية وبالفعل قدمت الدراما التلفزيونية المصرية فيما بعد نموذج الصعيدي عالم الذرة ورجل الأعمال والسياسي شخصيات غيرت من وجه الشخصية النمطية في الدراما المصرية للصعيدي أو النوبي ولا بأس أن تحذوا حذوهم وننقذ شخصية الجنوبي من لبوس المهرج الذي لا غاية إلا إضحاك الناس على أنفسهم وعندها لا تكفي عبارات ( ضحك كالبكاء ) فربما يكون الأمر معكوسا

 

*******

*yasirhass@gmail.com
 

مشاركاته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة فنون