د.ياسر عيسى الياسري

 

 د.ياسر عيسى الياسري

 

 مراجعات في الدراما العراقية
تلقائية الأداء عند الممثل العراقي في مسلسل تحت موس الحلاق



*لم يحظ مسلسل عراقي بتواصل في العرض وعلى امتداد أجيال كثيرة كمسلسل تحت موس الحلاق للعملاق سليم البصري والقديرحمودي الحارثي بحيث ان اسم المخرج لم يكن ليذكر على الرغم من كونه من المخرجين المهمين في تاريخ الدراما العراقية والشهير بكتابة الحروف الأولى من اسمه (ع . ن . ر ) عمانوئيل رسام . لم يكن المسلسل يحوي على عناصر بصرية تغري المشاهد بالمتابعة ولا اقصد عند عرض المسلسل في وقته وإنما عند إعادة عرضه من على الفضائيات العراقية فهو بالاسود والأبيض وهناك نسخ فاقدة للنوعية الجيدة المتكاملة والتي لا يمكن متابعتها دون مشاكل بصرية ولكن ما إن يظهر المسلسل حتى تتحلق العائلة العراقية من مختلف الأجيال لمشاهدة الحلقة بغض النظر عن مدى جودة ونقاوة الصورة المعروضة وهنا تحضر في الذهن عدة أسئلة هل هو حنين للماضي ؟ أم أن الدراما التلفزيونية العراقية عجزت عن إيجاد بديل درامي ناجح جماهيريا ً حيث حاول الراحل إبراهيم عبد الجليل تقديم مسلسلات ظلت حاضرة طويلا ً في الذاكرة التلفزيونية العراقية كجرف الملح والدواسر والذئب وعيون المدينة والنسر وعيون المدينة إلا أن لموس الحلاق سطوته الدرامية في الحضور إذ يتميز المسلسل اولا ً بتقنية حوار قل نظيرها في الدراما التلفزيونية العراقية.



 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وأكاد أجزم وعلى مسؤوليتي العلمية إن أفضل من كتب
 
الحوارات في الدراما العراقية هو الفنان سليم البصري الذي كان ينتقي حوارته من
 
حركة الشارع العراقي ويوظفها بترتيب جديد ولكنه ما ان يتحول إلى أداء حتى يأخذ
 
شكلا ً واقعيا ً يسحب المشاهد بطريقة ما غير ملموسة تخاطب الحس الداخلي للمشاهد
 
بحيث تخرج الشخصية من داخل الصندوق الخشبي للتلفزيون وتتحول إلى شخصية حية ذات
 
أبعاد متكاملة يمكن أن تسكن وتعيش وتستمر في الحياة داخل بيت المشاهد بل ويعرف
 
أبنائه وأحفاده على تلك الشخصية وكأنها جزء من ذاكرته الحية المرتبطة بذاكرة
 
المكان العراقي الذي تحركت به تلك الشخصيات وهنا يمكننا فقط أن ندخل في صلب
 
الموضوع إلا وهو الأداء التمثيلي لمجموعة الأبطال الذين قدموا تحت موس الحلاق
 
مبتدءا ً بالراحل المبدع سليم البصري كاتب العمل وبطله الذي نجح في أن يوظف
 
إمكاناته التمثيلية في إيجاد مناخ ملائم لتتحرك فيه الشخصية التي كتب مواصفتها
 
وحدد أبعادها ولعل التقييم العلمي هنا إذا ما تدخل سيجعل من هذه المسألة مسألة
 
تعمد وقصديه في عملية إيجاد مقاربة ما بين إمكانات البصري التمثيلية ومابين
 
التوظيف لهذه الإمكانات عند كتابة النص أي أن الشخصية لو كتبها غير البصري لما
 
نجح في تمثيلها أو لو ان البصري كتب الشخصية ولم يمثلها لم يكن لينجح أي ممثل
 
في أداءها والنقطة المهمة التي اطرحها هنا وتدحض هذا الرأي الافتراضي هو ان
 
البصري ككاتب كان على وعي تام بما يمكن لهذه الشخصية فعله وما يمكن أن تكون
 
عليه هذا من جهة ومن جهة أخرى سوف يكون البصري قادرا على التعديل أثناء الأداء
 
لأي تفصيل في الشخصية بحيث يبدع نوعا ً من التكامل في الأداء ما بين الكلمات
 
السردية الموصوفة بقلمه وما بين الأداء الحركي والصوتي لجسده يضاف إلى ذلك
 
التلقائية في الأداء التمثيلي والتي قل نظيرها في ممثل الدراما التلفزيونية
 
العراقية علما أنني تشرفت برؤية الفنان سليم البصري عن قرب فلم ألمس فيه
 
كشخصية واقعية أي تقارب في طريقة التعامل ونبرة الكلام مع شخصية حجي راضي وحتى
 
في ادوار أخرى لم يدع البصري مجالا ً لحجي راضي بالظهور ولكن تكمن المشكلة في
 
المشاهد الذي تقولب هو ولم يتقولب الممثل على محاصرة الفنان البصري داخل شخصية
 
حجي راضي وهذا الأمر ذاته ينسحب على الفنان المبدع حمودي الحارثي في شخصية
 
عبوسي فعلى الرغم ظاهرا ان بناء شخصية عبوسي بسيط للغاية إلا أنها كانت مركبة
 
في تركيبة الأبنية العميقة للشخصية فهي شخصية يتيمة الأبوين ما تزال تعيش جوانب
 
من طفولة لم تكتمل وواقعة تحت هيمنة الحاج راضي ليست هيمنة الامتلاك ولكنها
 
هيمنة الحب الأبوي الذي يفتقد إليه الحاج راضي الذي كان بدون أولاد على الرغم
 
من إن شخصية الحاج راضي في الحكم الدرامي هي شخصية أحادية الجانب لم تظهر
 
تفاصيل حياتها الاجتماعية لا فعلا ً ولا سردا ً وربما تكون شخصية عبوسي قد
 
أعطيت بعضا ً من بعدها الاجتماعي من خلال بعض الحوارات وأكاد أجزم أن الفنان
 
سليم البصري كان يعي ذلك الأمر ولذا لجأ إلى الحلقات المنفصلة القصة والتي تبيح
 
للكاتب عدم التوغل عميقا ً في الأبعاد الدرامية للشخصية ما دام دورها ليست له
 
امتدادات في الحلقات القادمة وعلى ذلك كان المشاهد يحيط بكل ما يقدم له على
 
أنه شيء متكامل لا نقص فيه وهذا التكامل هو ظاهري على صعيد الأداء التمثيلي
 
التلقائي الذي كان يتميز به معظم من كان يشارك في أداء الشخصيات فالفنان سليم
 
البصري عندما كان يرتدي ملابس الحاج راضي أخاله انه كان يخلع شخصية البصري
 
ويدعها تسترخي تاركة الحاج راضي يعيش التفاصيل اليومية بعيدا عن أي سيطرة
 
مباشرة للوعي الأكاديمي الذي كانت له شروطه الخاصة في تشذيب عفوية الأداء غير
 
المدروسة وهنا نجد أن البصري كانت له خلفية أكاديمية استفاد من كيفية توظيفها
 
لصالح التلقائية في الأداء التي يقضي العديد من الممثلين سنوات طويلة في سبيل
 
الوصول إليها والعديد منهم لم يكن ليصل إليها أو وان يصل إليها فإنه يبقى
 
متقولبا ً ضمن تلك الشخصية ولا يخرج منها حتى وان اختلفت التسميات لأن البصري
 
قدم شخصيات عديدة أخرى لم يكن لشخصية الحاج راضي أي ظهور فيها حتى في الجزء
 
الثاني الملون والذي قدمه البصري مع الرائدة سهام السبتي كان حاج راضي آخر تمكن
 
منه تقادم السنوات وتغير المكان والألوان التي لم يكن الحاج راضي ينتمي إليها
 
بقدر انتماءه إلى الأبيض والأسود كنوع من الإشارة إلى الماضي السعيد حتى أن
 
أداء البصري كان مغلف بنوع من الكآبة تلك الكآبة التي رافقته طويلا ً شأنه شأن
 
كل فنان عراقي يحترم جمهوره وهذا الاحترام كان موجودا لدى الفنان حمودي الحارثي
 
الذي نال الشهادة الأكاديمية العليا في التمثيل الا انه وبذكاء لم يتواصل في
 
العمل التمثيلي لأنه لن يستطيع مغادرة عبوسي ذلك الولد الشقي ( الوكيح ) حسب
 
التعبير العراقي لذا فأنه لم يقدم الا عمل او عملين ان لم تخني الذاكرة واكتفى
 
بأنه بقي مهيمنا على قلوب الشارع العراقي والى يومنا هذا بشخصية عبوسي التي لن
 
تتكرر لا هي ولا شخصية الحاج راضي ولا شخصية أبو ضوية التي قدمها الفنان
 
الرائد راسم الجميلي . . ولم تكتف ِ تحت موس الحلاق بتقديم طبق شهي للمشاهد
 
العراقي وانما قدمت مجموعة من الممثلين الذين أغنوا الدراما التلفزيونية
 
العراقية بأدوار بقيت خالدة ستكون لي معها وقفات قادمة مع دراما تلفزيونية
 
ظلمها نقدنا العراقي بحبه الشديد للتفوق على بقية الدراما التلفزيونية في الوطن
 
العربي وكان يريد لها ان تكون كما المسرح العراقي الرصين المرموق المكانه في
 
العالم العربي *

 

*******

*yasirhass@gmail.com
 

مشاركاته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة فنون