د.ياسر عيسى الياسري

 

 د.ياسر عيسى الياسري

 

  طاش ما طاش 15 . . . ومحاولة التأسيس لدراما عربية متجددة

 لم يستمر أي مسلسل عربي ومهما كانت المؤسسات التي تقف خلفه كل هذه المدة الزمنية التي دخلت موسمها الخامس عشر وبنجاح مثلما حصل مع مسلسل طاش ما طاش لناصر القصبي وعبد الله السدحان وخلف الكاميرا المخرج عبد الخالق الغانم وحقيقة أن المشاهد العربي لم يكن قد شاهد الأجزاء الأولى إلا أن الأجزاء التي تم رضها وما يزال يعاد على القنوات الفضائية تثبت إننا أمام تجربة تستحق وقفة تأمل فبغض النظر عن تفاوت الأشكال والمضامين ما بين جزء وآخر او حلقة وأخرى الا أننا نقف أمام ظاهرة جديدة في الوطن العربي لم تفعلها الدراما المصرية ولا السورية وإنما جاءت من دراما تعتبر فتية مقارنة بهما وهي الدراما الخليجية والسعودية بالتحديد فلقد كان المشاهد العربي ينبهر من طول مواسم عرض المسلسلات الأجنبية الأمريكية بالتحديد لأنها شكلت وعي أجيال مختلفة تتابعت على مشاهدتها ومشاهدة تغير الأبطال والأحداث ولكنها بقيت محافظة على وحدة الموضوع الذي من أجله أسست تلك الأعمال ولكن لا ينبغي لنا ان نهمل تجارب الدراما المصرية التي حاولت ان تقدم نوع من المسلسلات ذات الأجزاء المتعددة كليالي الحلمية والشهد والدموع ورأفت الهجان أما الدراما السورية فقدمت بقعة ضوء ومرايا ياسر العظمة وغيرها مما فاتني ذكره من الأعمال الا ان كل هذه الأعمال وبمرور المواسم آخذت تتراجع لأسباب إنتاجية او وصول الأحداث الى نهايات مغلقة لا يمكن التقدم الى ما بعدها او انسحاب الممثلين الرئيسيين الذين قامت على أكتافهم تلك السلاسل التلفزيونية مما أدى الى ترجع شعبيتها والاكتفاء بما تم تقديمه من أجزاء الا أننا نجد في طاش ما طاش نوع من الإصرار والتحدي لدى فريق عمل بدأ مع إنتاج خاص للتلفزيون السعودي ومن بعدها تطور الإنتاج ليصبح عربيا واسع الانتشار وخصوصا بعدما حصرت قناة mbc العرض الأول بل والمشاركة في الإنتاج ليخرج طاش ما طاش كما تقول بعض المانشيتات من جدار الرقابة للتلفزيون الرسمي الى فضاء الحرية والانتشار الواسع مع قناة عريقة لها تقاليد راسخة من لندن الى مدينة الإنتاج الإعلامي في دبي الا أنني وكمتابع لهذا العمل وجدت ان الرقيب الرسمي كان أكثر مرونة مع ما يقدم من أفكار جريئة في طاش ما طاش غابت عنا في الأجزاء الحصرية وخصوصا تلك التي تناقش دقائق وتفاصيل الحياة السعودية التي كان يقرن اسمها بالرفاهية والعيش الرغيد الا ان طاش قدم لن الأنموذج الواقعي للإنسان السعودي بمخلف مناطقه والمعاناة التي يتعرض لها والروتين اليومي الذي يعاني منه وحتى وصل الأمر الى مناقشة وجود فئات لا تملك أدنى مستويات المعيشة التفت لها مواضيع طاش ما طاش على الرغم من الحلول الدرامية التي يوجد فيها نوع من الدعاية الإعلامية لبعض المشاريع الخيرية للفقراء في السعودية ويبدو أنها محاولة للمصالحة مع الذات الوطنية التي تحاول ان تخفف من معاناة تلك الشرائح ولا ضير مادامت تلك الدعاية حقيقية وليست للاستهلاك الإعلامي واستند في ذلك على جرأة المواضيع التي قدمت ولم تحابي حتى في حلولها الدرامية ومادام ان طاش 15 خرج من عباءة الرقيب السعودي فمن حقه ان يقدم الصورة الواعية للمشكلة وحلها بل انه في بعض الحلقات وخصوصا حلقة الإدمان على المخدرات قدم حلا دراميا قاتما وفي أخرى أيضا تطرق الى مشكلة علماء العرب الذين لا يكرمون الا عندما يموتون وهي من اخطر ظواهر إهمال الجهات الرسمية للمبدع العربي من المحيط الى الخليج ولعل حلقة المثقفين الليبراليين هي التي نكأت الجرح في موضع حساس ومفصل أساسي من مفاصل الثقافة العربية التي بمجملها ثقافة صالونات وغير مسموح لها ان تولد خارج تلك الصالونات التي كانت في السابق منطلق الأفكار العربية التحريرية أصبحت الآن لا تهتم الا بالقشور والكلام الثوري بدون فعل جاد على ارض الواقع فبمجرد ان احد الكتاب الشجعان طرح رأيا لا يتناسب وتوجهات المؤسسة الرسمية طرد من وظيفته وطرد حتى من جلسة الأدباء الذين بقوا حبيسين الجلسات المليئة بالطعام والشراب والشعارات الفارغة والتباكي على مصير الأمة العربية والحركات التحررية فيها هذا على صعيد بعض الموضوعات التي تناولها طاش 15 أما على صعيد التمثيل فلم يفقد الثنائي الرائع القصبي والسدحان تلك القدرة المذهلة في تلقائية الأداء التي جبلا عليها حتى وهما يقومان بادوار تتطلب لهجة معينة او عمر اصغر ومع ذلك استمرا في خط انتهجاه منذ طاش 11 ان لم تخني الذاكرة في الانسحاب من حلقات وإتاحة المجال أمام وجوه كانت جديدة وقتها أما في طاش 15 فبرهن هذا الثنائي على نكران ذات قل نظيرها في الأوساط الدرامية العربية عندما انسحبا من الكثير من حلقات المسلسل او الاكتفاء بظهر جزئي وبدور صغير جدا على الرغم من علمهما المسبق انهما هم سر نجاح المسلسل واستمراريته كل تلك الأعوام الا أنهما أوقفا المشاهد العربي على حقيقة ان لاشيء يمكن ان يدوم فهما يهيئان هذا المشاهد لتقبل طاش ما طاش حتى من دون وجودهما فالكثير من الأدوار عمريا وبدنيا لم تعد متناسبة معهما وإعطاء فرصة لان يكون طاش عمل تأسيسي بعيدا عن الفردية التي لابد لها وان تنهي ذات يوم لأي سبب كان وهذا ما يحسب لهذين الكبيرين في تقديم درس نقدي تطبيقي لكل ممثل او نجم يعتقد انه هو لا غيره يصلح للقيام بهذا الدور وكذلك تطبيق للنقد الاجتماعي للذين يتعلقون بكراسيهم الوظيفية ويحاولون إيقاف عجلة الزمن أما على صعيد التأليف فطاش يصلح ان يكون نموذجا عربيا في تلاقح و تلاقي الأفكار فلكل حلقة او حلقتين او ربما أكثر ، مؤلف وصاحب فكرة وسيناريست مما يفتح المجال واسعا لإيجاد طاقات يصعب العثور عليها في المؤسسات الإعلامية طاقات كانت بعيده عن تلك المؤسسات لا لشيء الا لان تلك المؤسسات مغلقه أمامهم لكونهم غير معروفين وأسماء ليس لها سوق حسب تعبير المنتجين وهكذا دعم القصبي والسبحان تلك الأسماء بل وقدما خدمة للدراما العربية في ظهور مؤلفين وأصحاب أفكار درامية تبحث عن فسحة نقية من الهواء الإعلامي الفضائي الذي يصعب التنفس فيه من دون أجهزة مساعده كرواد الفضاء على سبيل المثال لا الحصر أما على صعيد الإخراج فنتلمس دور مهم وكبير لمخرج تمكن من أدق تفاصيل عمله المدعم بخبره واسعة في الأدوات التي يتعامل معها على صعيد بناء المعالجات الإخراجية التي من دونها لا يمكن ان يصل إلينا طاش عربيا بعيدا عن محليته المتقوقعة ظاهريا في البيئة العربية السعودية الطبيعية والاجتماعية بل ينطلق مؤسسا تلك المعالجات من واقع ان على هذه الأرض كانت بداية دولة العرب في شبه الجزيرة العربية وهو يعرض لنا من خلال تلك الشخصيات ما بقي من هذا الإنسان العربي الذي بقي يعيش فوق رمال أول منطقة شهدت ولادة الدولة العربية الإسلامية من دون ان يصادر الشخصية العربية الممتدة الى مشارق الأرض ومغاربها فهو يعالج ويبني شخصية الإنسان العربي المستلب فكرا وحضارة على يد إخوانه او على يد الحضارات الأخرى التي منحته القشور ليكون تابعا لها الا ان معالجات الغانم المتحركة كأمواج الخليج وبحر العرب وحركات الرمال والآثار التي تحاول ان تبقى عليها بصعوبة منح العمل بعدا قرائيا آخر على الرغم من انه مغلف بشكل جيد وما يحسب له انه لا يدع الممثلين يتحكمون بالمعالجة على الرغم من كونهم نجوم والعمل قائم على أسمائهم بل يلحظ المتخصص نوع من القيادة الرئيسية في العملية الإخراجية التي لا تستند على فردانية خالصة وإنما على أساس من المشاركة التي قد تكون عفوية ولكن الغانم يلتقطها ويدع دكتاتورية المخرج جانبا وهو ي طاش 15 بدا أشد يقظة الى تداعيات الممثلين وانفعالاتهم الآنية كما ان الممثلين يطبقون بدقه تعليمات المخرج بعيدا عن أنانية النجم الذي يؤلف ويخرج ويمثل وينتج وخلاصة القول أننا أمام تجربة درامية عربية تستحق الدراسة الأكاديمية المستندة على المناهج العلمية سواء في تحليل النص المرئي للعمل او الدراسات المختصة بالتغذية الراجعة التي مكنت العمل من الاستمرار خمسة عشر موسم ألستم معي أنها ظاهرة درامية عربية تؤسس لتقاليد عالمية .
 

 

*******

*yasirhass@gmail.com
 

مشاركاته في النخلة والجيران

العودة الى صفحة فنون