أ.م  الدكتور يوسف عناد زامل العائدي

 

 

سوسيولوجيا الدين والفكر الخلدوني

قراءة  سوسيولوجية في مقدمة ابن خلدون

المقدمة

     علم الاجتماع الاسلامي هو احد فروع علم الاجتماع العام استطاع من الاستقلالية خلال النصف الاول من القرن العشرين بعد ان تداخلت الشؤون الدينية في المجتمع ،وبعد تعقد المؤسسة الدينية وتشعبها وزيادة تفاعلاتها مع البناء الاجتماعي.

     اليوم هناك حاجة ملحة ومتزايدة الى الدين باعتقادنا لضعف القيم وتحلل الاخلاق والمثل وظهور التناقض بين المادي والروحي نتيجة طغيان الحياة المادية على الحياة الروحية واستفحال النوازع الانانية على الاعتبارات والمنطلقات الجماعية

     وفي خضم هذه الظروف ظهر علم الاجتماع الديني ليدرس الجذور التأريخية للظواهر الدينية واثرها على المجتمع والبناء الاجتماعي.

     واشارة الى هذا وذاك من الباحثين الذين ايدوا وأكدوا حداثة هذا العلم ... الا اننا وجدنا ان لعلم الاجتماع الديني جذور تاريخية موغلة في القدم والحداثة ،فقد تجلى هذا العلم في الفكر الخلدوني الكبير .... والمتصفح لمقدمة ابن خلدون يجد ان علم الاجتماع الديني حاضرا في كل صفحة من صفحاتها ليس هذا فحسب بل ان الاساس لهذا العلم هو القران الكريم والاحاديث النبوية الشريفة .

     ان الهدف الاساس لهذا البحث هو معرفة أثر القران الكريم في الفكر الخلدوني والذي اردنا ان نعنونه بالفكر الخلدوني والقران الكريم، حيث تأرجحت مضامينه الاجتماعية بين الايات القرانية الكريمة التي انزلها الله سبحانه وتعالى على محمد(ص) والاحاديث النبوية الشريفة للرسول محمد(ص).وسنتطرق في هذا البحث عن علاقة ابن خلدون في الفكر الديني واعتماده على آيات القران الكريم في مقدمته وخصوصا في المجتمع.

اولا: ابن خلدون وعلم الاجتماع الديني

     اعتمد ابن خلدون على التراث المعرفي الاسلامي الذي بداه الاسلام . والسبب في ذلك هو ما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية من فساد وانحطاط في عصره جعله  ينصرف الى دراسة عمق الواقع الاجتماعي ، واعتماده منهج القران الكريم في حل مشاكل المجتمع لانه يستطيع مخاطبة عقول البشر وحواسهم وحدسهم وهكذا فتح القران الكريم آفاق المعرفة عند المسلمين فانصرفوا لدراسة الكون والاستدلال على ظواهره والبرهان عليها . وقد نلاحظ ان ابن خلدون سلك مسلكا علميا لم يكن مالوفا ممن سبقوه نتيجة لثقافته القرانية وهي تعد فلسفة معرفية فكرية اسلامية.

     والثقافة الفكرية الاسلامية عند ابن خلدون جاءت نتيجة فكره العميق ودقة استقراء الاحداث ، ففي الجانب التحصيلي حفظ القران ودرس علومه ودرس الحديث الشريف والفقه والاصول واللغة والادب والمنطق ،فقد درس ابن خلدون في المساجد الكبرى كما في التدريس في الازهر الشريف ، واستطاع من ذلك نشر افكاره الاسلامية الى عدد كبير من الدراسين المصريين وغيرهم وفي اكثر البلدان التي ضل بها.

     ان اصل المعرفة الاسلامية عند ابن خلدون تأتي من اعتماده مصادر اساسية معرفية هي :

1-               القران الكريم : الحقيقة ان الفكر االخلدوني الاسلامي مقدمته تدين بالجانب الاكبر من روحها مستوحاة من القران الكريم . بل هو مدين للقران على حد كبير حتى في احكامه على الاخلاق والطبائع . ان القران الكريم بقصصه على حياة المجتمعات الغبرة ، واندثارها ودورتها التاريخية كان مصدر الهام.

2-               الحديث الشريف : شكلت الاحاديث النبوية الشريفة من التحديات المعرفية الاساسية للمسلمين بعد القران الكريم ، وقد انبرى الفقهاء لوضع قواعد لجمع الحديث في الصدق والاعتماد على اللفظك دون المعنى ،وقد اعتبرت الاحاديث النبوية الشريفة المادة الواسعه التي تشمل جميع المعارف الدينية تقريبا ، فهو يشمل التفسير بمعنى ان الحديث تفسير لاية قرانية ،والحكم الفقهي ، او في شرح الحالة الاجتماعية .

اذن هناك علاقة  وطيدة للفكر الخلدوني بالقرأن الكريم والحديث الشريف ونستطيع القول ايضاً بأن ابن خلدون واحد من أولئك الأعلام الذين تربوا في احضان الاسلام وتعاليمه ، فملامح التفكير الاسلامي في كتبه ونظرياته تتجلى في طريقته التي تناول فيها دراسة المجتمعات المختلفة وفي مقدمته الشهيرة وفي "كتاب العبر والمبتدأ والخبر أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر.

ثانياً: مفهوم القران الكريم في الفكر الخلدوني

     ان مفهوم القران الكريم عند ابن خلدون هو مفهوم شرعي وعلمي معا هو :

"كلام الله المنزل على نبيه محمد(ص) المكتوب في الصحف " وابن خلدون عارف بعلوم القران واحكامه ،ثم له في الفرق بين التهجئة والرسم في المصحف رأي يوصفه في ان العرب كانوا بعيدين عن الصنائع كلها ومنها صناعة الخط.

ويؤكد ابن خلدون على ضرورة اجادة الاداء عن قراءة القران الكريم ،اي اداء الحروف على وجهها من مخارجها المخصوصة وبمدودها المعينة، اما اللحن فينجزه بقدر ، اذا ساعد على حسن الاداء، ويرى ان تفسير القران الكريم يمكن ان يكون عن طريق اللغة والبلاغة وكذلك ويعرض ابن خلدون في مقدمتة لتفسير عدد من الايات الكريمة اشهرها آيتان:

"ألم تر كيف فعل ربك بعاد ،ارم ذات العماد"

ويستشهد ابن خلدون بما ورد في القران الكريم فيما يتعلق بالعمران الانساني،فأن الشواهد عليه كثيرة وادلته من القران والسنة كثيرة هي الاخرى .

يضاف الى ذلك موقفه من الحديث هو موقف لاحق بالقرأن الكريم ،اذ كان ابن خلدون عارفاً بعلوم الحديث بارعا ، وهو يريد ان يفسر الحديث بالعقل، وقد تناول موضوعات عدة في هذا الخصوص مثل الانتقال من البدو الى الحضر ، وحديث الفلاحة وهو يمدح بالدين والتقوى ويفتخر بذلك كله.

     ففي ديباجة مقدمته يذكر تقديم كتابه الى السلطان ابي فارس عبد العزيز (سلطان االمغرب) فيقول(.....من ملوك بني مرين الذين جددوا الدين ونهجوا السبيل الى المهتدين ، ومحوا أثار البغاة والمفسدين ،افاء الله على الامة ضلاله وبلغة في نصر دعوة الاسلام اماله).

حرص ابن خلدون على ان يختم كل فصل من فصول المقدمة طال ذلك الفصل او قصر بشواهد قرأنية .وقد ألتزم ابن خلدون بهذا المنهج التزاما دقيقا . وراعى ان تكون هذه الايات ذات علاقة جوهرية بالموضوع الذي يتناوله لقد اخترنا عددا من فصول المقدمة بالتتابع بلغ عددها ثلاثة وثلاثين فصلا ، فوجدنا عدد الايات القرانية التي ختم بها اربعاًوعشرين اية ، وحديثا نبويا شريفاً، وعدد من الجمل ذات المعاني القرأنية الكريمة ،وعدداً أخر من عبارات التمجيد الالهي وصيغ الابتهال الرباني ومن بين هذه الشواهد هي :

ــ في خاتمة استفتاح المقدمةيشير الى قوله تعالى "حسبناالله ونعم الوكيل " سورة ال عمران اية 173

ــ في أن البدو أقرب الى الشجاعة بقوله "الله يخلق ما يشاء " سورة ال عمران أية 047  

ــ في البيت والشرف والاصالة . يختتمه بقوله تعالى "والله بكل شئ عليم " سورة النور اية 35

ــ في الرئاسة على أهل العصبية .يختتمه بقوله تعالى "والله عالم الغيب والشهادة "سورة الانعام اية  73   

ــ فصل في حقيقة النبوة والكهانة والرؤيا .يختتمه بقوله تعالى " والله يعلم وانتم لا تعلمون " سورة النور أية 19

ــ فصل في أثر الهواء في اخلاق البشر .يختتمه بقوله تعالى " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء " سورة أل عمران اية 26

ــ فصل في اختلاف احوال العمران في الخصب والجوع . يختتمه بقوله تعالى "انه بكل شئ محيط " سورة فصلت اية 54.

ــ في ان الربع الشمالي من الارض اكثر عمرانا . يختتمه بقوله تعالى " وان في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب " سورة أل عمران اية 190.

وقد وجدت بعض شواهد الدعاء والتسبيح في بعض فصول المقدمة:

ــ في قسط العمران من الارض . يختتمه بالدعاء ( والله الموفق).

ــ في طبيعة العمران . ويختتمه بالدعاء ( والله الموفق للصواب والمعين عليه ).

ــ في العمران البشري . ويختتمه بالدعاء ( والله ولي التوفيق والهداية).

ــ في فضل علم التأريخ .يختتمه بالدعاء ( والله الهادي الى الصواب).

     وقد بلغت الشواهد القرأنية والادعية والتسبيح في مقدمة ابن خلدون ما يقارب مائتي وسبعين شاهد منها ما يقارب ثلاثة وثمانين ترد فيها الصيغة " والله علم " مجردة او على شكل تراكيب مثل قوله والله سبحانه وتعالى اعلم ، وبه التوفيق .. واذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ، والله تعالى اعلم .

     وهنالك اثنان وعشرون شاهد تتعلق بعلم الله في غير صيغة االتفضيل نحو : سبحان الحكيم العليم ... وفوق كل ذي علم عليم .... والله سبحانه وتعالى يعلم ما تكن .

مما تقدم نستنتج ان ابن خلدون كان كان دؤوباً وحريصا ان يختم كل فصل من فصول مقدمته بشواهد قرأنية مستمدة قدر الامكان من موضوع الفصل المخصوص بها ... وكثيرا ما هذه الشواهد في نهايات الفصول كقوله والله اعلم ..والله الموفق .. والله يخلق ما يشاء سبحانه .

      ونستنتج ايضا ان ابن خلدون قد حفظ القرأن الكريم منذ صباه حيث يقول " وبعد ان استضهرت القرأن الكريممن حفظي ، قراته بالقراءات االسبع افرادا وجمعا في احدى وعشرين ختمه ، ثم جمعتها في ختمه واحدة اخرى ".(1)

وصف الدولة والملك والباعة في الفكر الخلدوني :

لقد وصف ابن خلدون أعمار الدول والملك والباعة في مقدمته من خلال بعض النصوص القرأنية الكريمة اذ يقول :

اولاً: في وصف اعمار الدول :

    إن نظرية أعمار الدول نفسها نظرية قرأنية ، حيث استقى ابن خلدون فكرتها واساسها من القرأن الكريم الذي كان يحفظه ويعي احكامه كما اسلفنا . أن القرأن الكريم ينص في ايات كثيرة أن للدولة اعمارا ينتهي كيانها بنهايتها ثم تخلفها دول اخرى اكثر نظاما واشد قوة واوفر صلاحاً ، فالله سبحانه وتعالى يشير الى القرية وفي أيات اخرى القرى هي الدولة او الدول ، والقرية االظالمة هي الدولة الفاسدة فالظلم هو اشد ألوان االفساد كما في قوله تعالى وكم قصمنا من قرية ظالمة وأنشأنا بعدها قوما اخرين " سورة الانبياء اية 11.

ويقرر ابن خلدون ان للدولة اعمار كأعمار الاشخاص ، بمعنى انه اذا كان لكل شخص عمر محدد تنتهي حياته بنهايته ، فأنه للدولة اعمارا محددة تنتهي ويزول سلطانها بنهايته.

ويقول ابن خلدون ان عمر الدولة لايعدو اعمار ثلاثة اجيال وهو يقدر الجيل بأربعين سنة .... ويستشهد بقوله تعالى " فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" سورة الاعراف اية 34.

ويشدد ابن خلدون على حتمية نهاية اعمار الدول ، ومن هنا فأن نظرية اعمار الدول هي في ظاهرها وباطنها وجوهرها نظرية قرأنية كما في قوله تعالى " قل لا املك لنفسي ضراً ولا نفعاً الا ما شاء الله " سورة يونس اية 49.

ويستشهد ابن خلدون في الاية القرأنية الكريمة " عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعلمون "سورة الاعراف اية 129.

يرى في هذه الاية ان الدولة تولد قوية على صلاح على أطلال دولة فاسدة ، وتظل الدولة الصالحة على قيد الحياة مادام عدلها مستمراً ، فهلاك العدو في الاية الكريمة يعني هلاك دولته ، والاستخلاف في الارض يكون بميلاد دولة مكان دولة العدو .

هذا تعبير واضح من ابن خلدون عند نشاة الدولة ومولدها . كما انه تحدث عن القوة والنماء اذ ذكر قوله تعالى " وضرب الله مثلاً قرية كانت امنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأعنم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " سورة النحل اية 112.

تعد هذه مرحلة مهمة من اعمار الدول ( القوة والنماء ) بعد مرحلة نشأة الدولة ومولدها تحدثنا عنها قبلها.

ويقصد بالمرحلة الثانية بما تعبر عنه الاية الكريمة ان االدولة هنا كانت في مرحلة الاستقرار والامن والازدهار ، فلما انصرفت عن النعمه المتمثلة بالقوة ، ومالت الى البطر والظلم انتهى بها الامر الى الانحلال والضياع.

اما الشواهد القرانية في المرحلة الثالثة مرحلة الانحلال والضياع تمثل هذه المرحلة بالاية الكريمة"وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً" سورة الكهف اية95 وقوله تعالى "وان من قرية الا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة او معذبوها عذاباً شديداً وكان ذلك في الكتاب مسطوراً"سورة الاسراء اية 58 .وفي قوله تعالى"وما كان ربك مهلك القرى بظلم واهلها مصلحون "سورة هود اية 117 وقوله تعالى"وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في امتها رسولاً يتلو عليهم اياتنا وما كنا مهلكي القرى الا واهلها ظالمون"سورة القصص اية 59

الملاحظ من الايات القرانية الكريمة والتي استشهد منها عن الضياع و الانحلال في الدولة ان هذه الايات اكدت مهلك الدولة اي نهايتها,وارتبط هلاكها ونهايتها بفسادها في الارض بالظلم الذي يمارسه حكامه,وتتطرق هذه الايات الكريمة الى مبدا نهاية عمر الدولة

ثانياً : في وصف الملك:-

      وصف ابن خلدون الملك في فكره لاسيما في مقدمته الشهيرة،واستشهد بقوله تعالى"افحسبتم انما خلقناكم عبثاً"سورة اية 115.

والملك الذي يعنيه ابن خلدون هنا اهتمامه بالانسان يشمل دنياه و اخرته،ذلك ان القوانين التي تطبق على المجتمع الانساني يجب ان تكون الهية،وذلك ان الخلق ليس المقصود بهم دنياهم،كلها عبث وباطل.

    ثالثاً:في وصف الباعة:

لقد اسرف ابن خلدون في النيل من التجارة و التجار، وفي هذه الاية الكريمة الاتية يقصد الباعة وسوقهم،اما التجارة فمهنة كريمة،وان اصحاب المرؤة من الرجال هم الاكثرية من التجار اذ يذكر قوله تعالى "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو  فضل على العالمين "سورة البقرة اي251.

       اذن نلخص مما تقدم في وصف الدولة و الملك والباعة ان راس الدولة في العمران الخلدوني هو الامام او الخليفة فانها عنده وظيفة دينية سياسية اجتماعية،وكل هذه الاراء تمثل عمق الفكر ودقة الاستقراء والتي عبرت بشكل واضح عن عمق ايمان ابن خلدون بالله....والملاحظ عن مستهل حديثه في نظريته في العمران بعيد كل البعد عن المادية التي نسبت اليه من بعض الذين اعجبوا به ،بل انه يقرر انسجاماً مع عقيدته في وضوح كامل ان معنى العمران هو ما اراده الله من اعتمار العلم نبني الانسان و استخلافه اياهم في الارض،فالعمران عنده اصطلاح قراني صريح،وقيمة سلامية واضحة،وهو استخلاف الله للانسان في هذا الكوكب.

بأختصار ان ابن خلدون فقيه اصولي مجتهد،وهو استاذ كانت دروسه اصلاً في التفسير والحديث و الفقه. وقد حرص في كل افكاره التي عرفت بالنظيات فيما بعد على ان يدعم  كلا منهما بما يوكد اسلاميتها باية قرانية او  او حديث شريف او عمل مأثور.

       ويمكن القول ان ابن خلدون نتائج بيئته وحصاد مجتمعه ونتائج ثقافته، كان علاماً من علماء المسلمين وفقيهاً من فقهاء الشريعة،وعالماً من علماء المذهب المالكي،ومن ثم في نظرياته كما بينا من منطلق اسلامي محضاً،فنظرية العمران التي اوضحناها تعد اهم منجزاته الفكريه،اسلامية جملة و تفصيلاً و نظريته في مجال العصبية كان سبيلة في  علاجها سبيلاً اسلامياً.

      لقد اعتمد ابن خلدون الاسس الاسلامية وهو يقدم نظرياته،ونظام الحكم الذي رآه مناسباً للعمران،وهو نظام الخلافة الاسلامية.

  اذن كان ابن خلدون اسلامي الخطوات في المقدمة من اولها الى اخرها بحيث  يتحتم الا يكون فكره الا اسلامياً،وهو ما لم ينته اليه دارسوا الفكر الخلدوني....وهو بهذا مؤسس علم الاجتماعي الاسلامي.

علم الاجتماع و القران الكريم:

   ان علم الاجتماع هو العلم الذي يدرس التفاعل الناشئ عن تجمع البشر في مجتمع ما  من خلال العلاقات او الظواهر والظواهر والواقع الاجتماعي في اطار منهج علمي و موضوعي يعبر عما هو كائن.

فالقران الكريم يذكر العديد من امثلة الظاهر الاجتماعية التي ترددت لدى الاقوام الذين ارسلت لهديهم كظاهرة التقليد والترف و الظلم و الاستبداد في الحكم و الاجرام وعبادة الاوثان والكوكب وتقديس الحيوان وعبادة الارواح من الملائكة و الجن وواد البنات واحتقار المرأة واستغلال المستغلين الذين ياكلون اموال الناس بالباطل والى الظهور الطبقية ((طبقة رجال الدين،طبقة المتكبرين،وطبقة الضعفاء)).

افاد ابن خلدون من القران الكريم في انشاء نظريته الاجتماعية فائدة غير قليلة وقد نادى بذلك بعلمه "علم الاجتماع"بدراسته للظواهر الاجتماعية او "العمران البشري" في مقدمته الشهيرة اذ يقول ((وكان هذا علماً مستقلاً بنفسه فانه ذو موضوع وهو العمران البشري و الاجتماعي و الانساني وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض لذاته واحدة بعد الاخرى،وهذا شأن كل علم من العلوم وضعياً كان او عقلياً)).

ومن الظواهر الاجتماعية التي وصفها القران الكريم والتي يشير اليها

في المقدمة "ذم الترف" وتبيان اثره في هلاك الامم.كما يشير القران الكريم في كثير من اياته الى ارتباط الاسباب بمسبباتها و العلل بمعلولاتها في الظواهر الاجتماعية من خلال احوال الاقوام الغابرة و الاممم السالفة ارتباطاً عما يسميه العلماء المحدثون بالقانون او النظرية او التعميم.

"القران الكريم" ذم الترف لكي يحذر الناس من عواقبه السيئة في دينهم و دنياهم،اما ابن خلدون فقد عد الترف امراً اجتماعياً محتوماً لابد من وقوعه في الحضارة،و لا يستطيع الناس ان يتخلصوا منه عند التحضير اذ هو يكون جزء من عاداتهم ، و العادات عند ابن خلدون قاسرة.

الظواهر الاجتماعية و القران الكريم:

لقد ورد في القران الكريم ايات كثيرة في هذا الشأن اشار اليها ابن خلدون في مقدمته يمكن اجمالها بالاتي:

1-يصف القران الكريم المترفين بانهم سبب هلاك المجتمع في قوله تعالى"واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها  القول فدمرناها تدميرا".

2-ويصف القران الكريم اولئك المترفين بأنهم يقاومون الدعوات الدينية  بقوله تعالى"وما ارسلنا في قرية من نذير الا قال مترفوها انما بما ارسلتم به كافرون"

3-ثم يصفهم بانهم متعصبون لعقائد ابائهم،حسنة كانت ام سيئة،وذلك بقوله تعالى((وكذلك ما ارسلنا من قبلك  في قرية من نذير الا قال  مترفوها انا وجدنا ابائنا على امة وانا على اثارهم مقتدون،قال اولو جئتكم بأهدى مما وجدتم  عليه ابائكم قالوا انا بما ارسلتم به كافرون".

والواقع اننا نجد تشابهاً كبيراً بين هذه المفاهيم القرانية وما جاء في مقدمة ابن خلدون من ذم و ترف ولكن نجد ان ابن خلدون حول موضوع الترف من اطاره الديني الذي نشهده في القران الكريم الى اطار اخر هو الاطار الاجتماعي.

ويشرح ابن خلدون شرحاً اجتماعياً رائعاً....كيف يؤدي الترف بأصحابه الى التحلي بالاخلاق السيئة،كالكذب و المقامرة و الغش و الخداع و السرقة و الربا بالمبيعات ،ففي راية ان في ذلك امر طبيعي تؤدي اليه عادات الترف من حيث التأنق في المطابخ والملابس و المباني والفرش ،فتتلون النفس الى التفنن في تحصيل المعاش، وتنصرف الى الفكر في ذلك و الغوص عليه واستجماع الحيلة له، فلا تبالي عندئذ بالاخلاق الحميدة التي امرت بها الشريعة الاسلامية.يقول ابن خلدون:

((ومن مفاسد الحضارة الانهماك في الشهوات،و الاسترسال فيها لكثرة الترف ،فيقع التفنن في شهوات البطن من المأكل و الملاذ،ويتبع ذلك في الشهوات من الزنا و اللواط...فأفهم ذلك زاعتبر به ان غاية العمران هي الحضارة و الترف وانه بلغ غايته انقلب الى الفساد و اخذ في الهرم كالاعمار الطبيعية للحيوانات)).

ومن  طرائف ما جاء به ابن خلدون في هذا الصدد انتقاده لفكرة كانت شائعة بين الناس في زمانه، اذ كانوا يقولون"ان المدينة اذا كثر فيها غرس النارنج تأذن بالخراب" يقول ابن خلدون ان الكثيرين من العامة يتحامون غرس النارنج في دورهم ظناً منهم ان في النارنج خاصية تؤدي بغارسه الى الخراب.

 يرى ابن خلدون  ان الامر ليس بهذا المعنى،انما معناه ان البساتين وغجراء المياه من توايع الحضارة،اذ ان النارنج و امثاله مما  لا طعم له ولا منفعة فيه.وهو لا  يغرس في البساتين الا من اجل شكله فقط،ولا يفعل الناس ذلك الا بعد التفنن في مذاهب الترف.وهذا هو الطور الذي يخشى معه هلاك العصر و خرابه.ولقد قيل مثل ذلك في الدفلى وهو من هذا القبيل ،اذ الدفلى لا يقصد به الا تلون البساتين بورودها ما بين احمر و ابيض ،وهو من مذاهب الترف.

يعتقد ابن خلدون ان الترؤف يزيد الدولة في اوزولها قوة و السبب في ذلك ان القبائل اذا حصل لهم الملك و الترف ،كثر التناسل و الولد و العمومه ،واستكثروزا ايضاص من الموالي  و الصنائع ، وربيت اجيالهم في نعيم، فازدادوا بهم عدداً الى عددهم ،وقوة الى قوتهم ،بسبب كترة العصائب حينئذ بكثرة العدد.فأذا ذهب الجيل الاول و الثاني، واخذت الدولة في الهرم لم تستقل اولئك الصنائع و الموالي بأنفسه في تأسيس الدولة ، وتمهيداً ملكها ليس  لهم من الامر شئ ،انما كانوا عيالاص على اهلها،وعونة لها،فأذا ذهب الاصل،لم يستقل الفرع بالرسوخ فيذهب ويتلاشى ولا تبقى الدولة على حالها من القوة.واعتبر هذا بما وقع في الدولة العربية في الاسلام ،اذ كان عدد العرب لعهد النبوة و الخلافة،مائة وخمسين الفاص او ما يقاربها من  مضر وقحطان، ولما بلغ الترف مبالغة في الدولة وتوفر نموهم بتوفر النعمة،واستكثر الخلفاء من الموالي و الصنائع بلغ ذلك العدد الى اضعافه.

من هنا يمكن القول ان الظواهر الاجتماعية ترتبط بالقران الكريم ارتباطاً وثيقاً لما لها من تأثير على الافراد داخل المجتمع،ويكون تأثيرها كبيراً عندما تكون نابعة من خلال الايات القرانية التي تمثل المبادئ الاساسية للتعامل خاصة بين المسلمين في المجتمعات الاسلامية.

ولابد من الاشارة الى بعض الاحاديث الشريفة التي ترتبط بالظواهر الاجتماعية. اذ يشير الحديث الشريف الى الارتباط العلمي بين الظواهر الاجتماعية ونتائجها. فقد ورد عن ابن عباس: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)((ما ظهر الغلول في قوم الا القى الله تعالى في قلوبهم العب، ولا فشي الزنا في قوم الا طكثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال و الميزان الا قطع عنهم الرزق ،ولا حكم قوم بغير الحق الا فشا فيهم الدم)).

وبهذا يسوق الحدث الشريف عددا من القواعد و السنن المطردة في الظواهر الاجتماعية التي تسود المجتمعات،فالفلول و السرقة ونهب الاموال العامة يورث الخوف و الرعب في قلوب السارقين الذين يصبح كل منهم غير امن على نفسه ان تنكشف خيانته وحينئذ يدب الرعب وينتشر الهلع، وتستشري الرهبة في نفوس القوم مما يفقدهم شجاعتهم وقدرتهم على الاخرين. وكذلك الزنا حين ينتشر بين قوم يؤدي الى العزوف عن الزواج و البعد عن تكوين اواصر الاسر تكويناً طبيعياص اجتماعياً،مما يؤدي الى نقص في الانفس وقلة في النسل يعقبها كثرة الموت وميل الى الانقراض العددي.وكذلك ظاهرة انقاص الكيل و الميزان وبخس الناس حقوقهم تؤدي الى قطع الله الرزق عن هولاء جزاء وفاقاً لجشعهم وسوء حكمهم،وكذلك الحكم بغير الحق اي الظلم في القضاء من شأنه انعدام الامان وهذا يؤدي الى انتشار ظاهرة الاخذ بالثأر،وحصول صاحب الحق على حقه بنفسه.

واذا كان القانون الاجتماعي هو ترابط علمي مطرد بين ظاهرتين من ظواهر اجتماعية فان القلران الكريم و الحديث الشريف يشيران الى هذا الارتباط المطرد في حياة الجماعات و الافراد من خلال تفنن السلوك وما ترتب عليه من الجزاء في الدنيا و الاخرة ولفت النظر الى سنن الله تعالى في الاقوام و الجماعات. واكد ابن خلدون من خلال عملية الربط بين الظواهر الاجتماعية من جهة و القران الكريم من جهة اخرى في معالجة ما نسميه بواقعات العمران البشري او الاجتماع الانساني اذ يقول:

((انه لما كانت حقيقة التاريخ انه خبر عن الاجتماع الانساني الذي هو عمران العالم،وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من النوحش والتأنس والعصبيات واصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ عن ذلك كله من الملك و الدولة ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم من الكسب و المعاش و العلوم والصنائع وسائر ما يحدث ذلك العمران بطبيعة العمران.

ويقول كذلك في المقدمة ((ونحن الان في هذا الكتاب "يقصد المقدمة" وما يعرض للبشر في اجتماعهم من احوال العمران في الملك والكسب و العلوم والصنائع)).ان ابن خلدون كانت لديه فكرة و اضحة عن اتساع نطاق الظواهر الاجتماعية وشمولها كل مرافق الحياة وانه لم يغادر اي قسم من اقسامها الا عرض له بالدراسة.

تقيييم الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون:

لقد توصل ابن خلدون الى اهم القوانين في مجال الفكر الاجتماعي الا وهي قوانين الحركة و التطور، التي تشبه قوانين الكائنات الحية في العالم الطبيعي. وهي كائنات لا تقف على حالة واحدة وانما تتطور من الصغر النمو والكبر و الهرم،وابن خلدون ينتقل من فكرة القانون الى فكرة الحياة وتطورها في نظام دقيق،وهنا تأخذ نظريته شكلاً حيوياً بايولوجياً يقارن فيه المجتمع وحياته بالجسم الحي وحياته.وفي هذا يسبق (اوجست كومت)من  ناحية فكرة تطور الحياة الاجتماعية،ويسبق هربرت سبنسر  فكرة بناء التطور الاجتماعي على الناحية الحيوية،ويقول ابن خلدون في هذا ما نصه:

((ان العمران كله من بداوة وحضارة وملك وسوقة له عمر محسوس كما ان للشخص الواحد من اشخاص المكونات عمراً محسوس)).وبناء على الاساس الحيوي يبني ابن خلدون حركة التطور في المجتمع بالمقارنة بحركات الكائن الحي الذي لا يدوم نموه و ارتقاؤه وانما لابد من ان يضعف وينحل وينتهي بالموت قطعاً،والمجتمع البشري يتبع نفس هذا الاتجاه الحركي،وتمثل هذه الحركة عند اين خلدون في اربع مراحل متعاقبة لحياة المجتمع تتدرج من البساطة الى التعقيد:الحالة الاولى يسميها بحالة البداوة، والحالة الثانية يسميها بحالة الملك ، والحالة الثالثة يسميها بحالة الحضارة اما الحالة الرابعة فهي الحالة التي تهزم فيها الدولة وتضعف فيها شؤون المجتمع ويسميها بحالة الاضمحلال و الخراب.ولعلنا نلاحظ ان ابن خلدون وهو في مستهل حديثه عن نظريته في العمران بعيد كل البعد عن المادية التي نسبه بعض ممن اعجبوا به اليها بل ان الرجل يقرر انسجاماص مع عقيدته في وضوح كامل ان معنى العمران هو ما اراده الله من اعتمار العالم ببني الانسان و استخلافه اياهم في الارض فالعمران عند ابن خلدون اصطلاح قراني صريح وقيمة اسلامية و اضحة وهو استخلاف الله للانسان في هذا الكوكب وما يحيط به.

مشاركاته في النخلة والجيران

العنف ضد النساء

سوسيولوجيا الدين والفكر الخلدوني
عقوق الوالدين الأسباب والمعالجات

العودة الى صفحة دراسات