|
|
| زمن عبد زيد الكرعاوي | ||
|
لكل قاص بصمته المميزة والخاصة به وهذا التميز ناجم عن طريقة القاص في إدارته للسرد من لغة ، من هنا نلحظ إن قصة فصول لا تشيخ تحتوي على ثيمات متعددة تشترك كلها بتكوين قصة تنتمي وبجدارة للقاصة أسماء ، فأنها تحتوي على بصمة الكاتبة التي لا تشبه بصمة كاتب أخر وفي محاولة هنا لإخضاع هذه القصة للتحليل لنفك رموزها ونسبر أغوارها ونستكنه دلالاتها نقف عند ثيمتين هما : 1- التوظيف --------- الطبيعة ---------- اللون 2- اللغة الإيحائية . فالتوظيف المتمكن والعالي للطبيعة فتح آفاقا رحبة عبر شبكة من العلاقات المتجاورة والمنتجة لوظائف جديدة أرادتها القاصة بصورة واعية (حلمتُ بالفصول تتوالد كما الأطفال يتكاثرون )فالفصول تتوالد في الطبيعة فصلا بعد فصل ، الشتاء والربيع فالصيف والخريف ومن ثم الشتاء فالربيع ... ، مثلما الأطفال يتكاثرون ، وعند فك القدر الجامع بين الفصول والأطفال نلحظ أن هذه الفصول ليست متساوية الخصائص فالشتاء وبرده يختلف عن الربيع وجماله وحيواته ويختلفان عن الصيف الحار الرطب وعن الخريف القابض على الحياة النباتية وكذلك الأطفال فمنهم الجميل البار بأهله ومجتمعه ومنهم البارد غير المحبب ... ، والقدر الجامع بين الفصول والأطفال هو التكاثر لكن هناك فرقا بينهما في كون ( الفصول لا تشيخ والأطفال يهرمون)ثم دعمت هذا التوظيف والمقارنة بين الطبيعة من جهة والإنسان من جهة أخرى حين قالت ( الصيف مازال حاراً لم يتغير فيه شيء.وحدنا نتغير )فالحرارة تمثل الحياة التي يمتاز بها فصل من فصول السنة والذي عدّته القاصة بديلا موضوعيا للحياة بكاملها والبرودة تمثل الموت كما هو معروف وهو ما يؤول إليه الإنسان ( وحدنا نتغير ) ثم تستمر الكاتبة بعقد المقارنات مع الطبيعة(شظايا خريف قادم ) فالشظية تؤدي إلى الموت أي الانتهاء أو إلى الإصابة والخريف يمثل الانتهاء، إن التلاعب بثنائيات كهذه جعل من القصة ولاّدة للصور الذهنية فلقد خلقت الكاتبة صورة للشمس ( وجه الشمس على جذع الشجرة ) فالشمس رمز من رموز الحياة والخصب ولم يأتِ رسم وجه الشمس على جذع الشجرة عفويا وإنما جاء قصديا أو باللاوعي المعرفي الذي تمتلكه الكاتبة فوجود وجه الشمس على جذع الشجرة يولد علاقة للخصب والنماء وتستمر القاصة في توظيفها المتمكن للطبيعة حتى تصل إلى نتيجة اتحاد مكون من مكونات الطبيعة وهو الربيع الذي يحمل الخصب والحياة والتفتح مع محمد بطل القصة ( أنّ محمداً هو الربيع ) لتعلن بذلك أن محمدا هو ركن من أركان هذه الحياة بل هو أهم ركن فيها فهو الخصب والنماء ، وقد عاد الربيع بعد حروب وشظايا فالربيع لا يتغير ( الربيع لا يتغير . . محمد يعود صبياً )وهنا جعلت من الربيع معادلا موضوعيا لمحمد. أما توظيف اللون فلا تقل أهميته عن ثيمة الطبيعة فلقد عمدت القاصة بقصديه إلى توظيف اللون توظيفا حسيا، مبينة من خلال الألوان أحوال ومواقف تؤسس بها تواصلا مع المتلقي فلقد عملت على مجاورة اللون الأصفر الذي يحمل معه الدلالة الذهنية للمرض والانتهاء للتجاعيد (اصفرار تجاعيدها ) والتجاعيد تمثل علامة سيميائية للكبر والانتهاء ثم أعقبت هذه الجملة وبعد عدة عبارات جملة أخرى منحت بها المتلقي مساحة نفسية تؤهله لقبول الأمل الذي اعترى البطلة أمل من جراء انتهاء منافستها سها بالشيخوخة (جمع الثلاثة تحت سقفه الأبيض) فاللون الأبيض رمز الصفاء جاء هنا بقصديه ليعبر عن تفاؤل أمل وصفاء نفسها بسبب اصفرار وتجاعيد سها ولكن هذا الموقف التفاؤلي ما لبث أن غاب تدريجيا ليحل محله القلق وضبابية الرؤيا (ولمّا كان موقف الحافلة مزدحماً بأجساد اتشحت بالأبيض والرمادي والأزرق الغامق) فأنتقالتها من الأبيض إلى الرمادي فالأزرق الغامق خلق جوا نفسيا ضبابيا باردا لان اللون الأزرق من الألوان الباردة ، وان كانت الكاتبة لم تؤسس مع المتلقي أرضية مشتركة لسبب هذه التحول النفسي وهذه الضبابية . وتستمر أمل التي تتصدى للروي ( الراوي الجواني) كما يسميه سعيد يقطين، بتطوير هذا الجو النفسي المتضبب (السماء بدأت تتخم بالسواد والدخان) وتستمر الكاتبة بقصديه على ترسيخ و تأسيس ألوان توضح بها معالم شكل القصة فهي تؤكد على شبابية محمد هذه المرة ليس بالربيع وإنما بمفردة من مفردات الربيع وهو لونه الأخضر (رجل الورق الأخضر الأنيق الناعم ) أما الثيمة الأخرى ( اللغة الإيحائية ) : ينهض خلال خطاب السرد خطاب شعري يتجاوز لغة السرد التقليدية ويجعلها تقترب من بنية الصياغة الشعرية . تؤسس الكاتبة بهذه اللغة جوا شعريا إيحائيا ذا دلالات متعددة تشير إلى علاقة متناسقة مع الثيمة السابقة منتجة فضاءً متماسكا تجمعه شبكة علاقات متجاورة فهي توحي بصغر سنها بقولها (لأرصف عدداً من الأحجار ، واحدة فوق الأخرى ، وأقف عليها متطلعة إليك ) تأتي بعد ذلك لتوحي للمتلقي بطولها بعد مرور زمن معين وقد اختزلت الزمن وجعلت الحجارة معادلا موضوعيا لكل سنة فكل حجارة تبعدها تعني إضافة سنة من الكبر . وتستمر الكاتبة بتركيز هذه الثيمة أي عدم الإفصاح عن معنى قادرة على إيصاله بالإيحاء وكما قال دي سوسير في كتابه دروس في اللسانيات العامة إن "الكلام هو القول المفيد بالقصد ، والمراد بالمفيد ما دل على معنى يحسن السكوت عليه " عبر إيجادها مفردتي الكوز والشق لخلق إشارة ذهنية ويرى سوسير الإشارة كيانا مزدوجا مكونا من( دال ومدلول) الأول مادي والثاني ذهني ( كوزاً غالباً ما تشاكسه أصابعنا ، فيصيب البلل الوسائد والشراشف) فذكرها هذا الدال( الكوز) في سياقه أنتج لدى المتلقي دلالة ذهنية ولحق هذا الدال فيما بعد دال آخر هو ( الشق ) ليرسخ هذه الصورة الذهنية (عبر ذلك الشق كانت أمل تراقب محمداً جارها) ثم تعود لتؤكد هذه الدلالة حينما تجمع هذين الدالين في (اختفى الكوز والشق) واختفاء الكوز والشق جاء مع شيخوخة سها والتحاق محمد بخطوط النار إلا أن أمل لم تتخل عن حياتها ففتحت شقا في فضاء غرفتها وباستطاعتنا هنا أن نقول كما قال امبرتو ايكو بأنه ( نص يغطي نصا أخر) والنص الآخر هو الرجولة والأنوثة (فافتح في فضاء الغرفة السفلية شقاً استرق عبره النظر إليك) ويستمر التأكيد على هذا الدال كمفتاح للحياة بعد عودة محمد من خطوط النار (محمد يعود صبياً ، يسرع إلى السطح المهجور ، ويُحدِث في الجدار الفاصل بين بيته وبيت أمل شقاً بشظية صرعها يوم استقرت في صدره . ينظر عبر الشق إلى أمل وهي تنشر الثياب البليلة على الحبل) لتثبت للمتلقي إن بعض الفصول لا تشيخ ألا وهو فصل الربيع (محمد) .
|
فصول لا تشيخ مرة ، حلمتُ بالفصول تتوالد كما الاطفال يتكاثرون . لكن الفصول لا تشيخ كما الاطفال يهرمون . الصيف مازال حاراً لم يتغير فيه شيء . وحدنا نتغير .. كنا نهرع الى سطح الدار كل مساء . وتداعب ضجتنا الطفولية الصمت الازرق الذي تتداخل معه شعاعات حُمر . وعلى احد الجدران المتسمرة على السطح تضع امي كوزاً غالباً ما تشا كسه اصابعنا ، فيصيب البلل الوسائد والشراشف مختلفة الالوان والنقشات التي تتداخل خطوطها لحظات تجعدها باقدامنا الصاعدة والهابطة . كان اخوتي يتقافزون عليها بهدف اللعب بينما كنت اقفز معهم عسى ان يمسي رأسي بمستوى اعلى من جدار بيتك . كثيراً ما تسللتُ الى السطح قبل اخوتي خلسة ،لأرصف عدداً من الاحجار ، واحدة فوق الاخرى ، وأقف عليها متطلعة اليك من شق في الجدار الفاصل بين بيتينا . وبمرور الاعوام اخذت الاحجار تقل حتى اختفت جميعها . عبر ذلك الشق كانت امل تراقب محمداً جارها . كثيراً مارأته يرسل ابتسامة الى سها من فوق جدار منزله الملاصق لمنزلها . كانت سها تمنحه بين لحظة واخرى نظرة قلقة تشوبها الريبة خشية ان يقبض اخوتها عليها متلبسة بالحب ــ انه طائر مذبوح لايحق له التحليق دائماً ــ فتشيح وجهها الى حبل الغسيل وهي تنشر عليه الثياب البليلة . اختفى الكوز والشق . صرت ارى شعري الاسود يتدافع نحو خيالك مع نوبات ريح المبردة وهي تملأ الاصياف بالضجيج ، فافتح في فضاء الغرفة السفلية شقاً استرق عبره النظر اليك والى شظايا خريف قادم لمحتها في حقيبة سها ما أن اكمل ثلاثتنا دراستنا الجامعية ! والتحقت ـ انت ـ بخطوط النار . الخريف اسطورة غربة . . وحين سافرت سها طمعاً في جنة لاخريف يزحف عليها ، لم تعرف انّ للجنة ثمناً يفوق ما تنضح به الرزم الخضر . عادت مثقلة باشواك الاغتراب . لم تعد ترى في الخريف تلك الاسطورة بل مرآة تشهد اصفرار تجاعيدها التي فقدت فرصة الارتواء من غيث شتاء يشبه ذلك الذي جمع الثلاثة تحت سقفه الابيض . الشتاء غيمة مخلدة على اللوحة الزرقاء .. من سقفه انهمر مطر غزير . . ولمّا كان موقف الحافلة مزدحماً باجساد اتشحت بالابيض والرمادي والازرق الغامق ، اتكأتُ وسها على جذع شجرة نبق تجاور موقف الحافلة . مرّ محمد بنا ، وقال ان الغيم اسطورة ، ولاخوف من المطر . ضحكت سها وهي تحفر بأزميلها الاسمر وجه الشمس على جذع الشجرة . وانا عينٌ على الغيم .. وأخرى على بؤبؤ الحريق الاصفر . قلت لهما أنّ الصحو اسطورة ؛ الاتريان السماء بدأت تتخم بالسواد والدخان والعقبان ؟ في ذلك الصباح الماطر مرّت بعض بنات المحلة بالزملاء الثلاثة مصادفة وهن متلفعات بعباءاتهن . لم ترَ عيونهن سوى محمد . لم يخشين المطر . قلن في سرهن أنّ محمداً هو الربيع . بقين يقلن هذا حتى حينما حاول احدهم نفث دخان جيبه على فصول الربيع . كانت اصابعه ناعمة وبشرته قمحية غير مشرئبة بالغبار . عاد الى المحلة بغية بيع داراهله القديمة ،فاذا به يحاول القبض على نظرات امل الشاردة في الجدار المنسي . اراد أسرها في حدود عينيه المُطفَأتين ومحفظته المتخمة بالورق الاخضر . . لكن امل لم تشعر بوجوده.. حتى انه لم يلفت نظر أيّ فتاة في المحلة ،بيد أنّ ثمة أنفاً جذبته رائحة الدولار . لملمت سها اشياءها دون الذكريات ودون وجهك ووجه الشمس في حقيبة جلدية سوداء ،لتتوارى خلف الجيب الاخضر عن حلم الطفولة ، بينما كنتَ تتنفس هواء الخريف المتخم برائحة البارود ، وتمارس لعبة الصراع مع الموت على تضاريس مشبعة بروائح الاجساد المتعرقة واكداس الرصاص . في ذلك الشتاء البعيد استطاعت سها ان توهم امل ومحمد بأنها تملك ازميلاً تحفر به وجوهاً متعددة للشمس . وما عرفا لوقت طويل ان اصبعها حين لامس جذع شجرة النبق الندي ، انجب السراب وليس وجهاً للشمس . ذلك الوجه الذي لم يعثر عليه محمد عندما مرّ بالشجرة بعد سفر سها باحثاً عن ظلالها وعن جواب لسؤاله : لماذا سافرت فجأة ؟! كان القادمون يتحدثون بغمز ولمز عن افاعيلك . هل كان الثمن الذي قبضته اغلى من عرق كفَي محمد المغروستين في اعماق الارض الندية ، وهما تتشابكان مع جذور الفسائل النامية بقطرات دماء جراحه ؟! لم اخبر محمداً بما سمعته عن تصرفاتك هناك . معرفته بها كان ليجعل موتك اعمق ، بيد ان هروبك من اخيلة رصاصات قد تغتال جسده كان كافياً ليتشبع جسدك برائحة الكافور ، ولتأسفي بعد حين على ربيع لم تحتفظي بظلاله الخضر . الربيع لايتغير . . محمد يعود صبياً ، يسرع الى السطح المهجور ، ويُحدِث في الجدارالفاصل بين بيته وبيت امل شقاً بشظية صرعها يوم استقرت في صدره . ينظر عبر الشق الى امل وهي تنشر الثياب البليلة على الحبل ، بينما سها مذهولة تؤشر له بيديها وتناديه بعينيها حتى يتآكل وجهها وينضم الى الغبار محاولاً تقصي آثار رجل الورق الاخضر الانيق الناعم . اتسمر في حدود نظرتك . لا أشيح وجهي عن عينيك المسترقتين للنظر ، خشية ان يقبض العُرف على قلبي متلبسة بالحب . الحب ليس طائراً مذبوحاً لا يحق له التحليق . انه كالفصول ، لا يتغير ، وانّما نحن نتغير . اسماء محمد مصطفى |
|