زينب المندلاوي  
 

شكراً يا أبي!!!!  

تقافزت إلى ذهني كمٌ هائلٌ من الذكريات التي عبرت جدار الزمن لتستقر في ذاكرتي التي توقفت عن تسجيل أي ذكرى في سجلها الضخم . جبت شوارع العاصمة بمختلف مناطقها ، وجلست على ركبة والدي لاستمع إلى دروس الآداب وقوائم الجائز والممنوع . وقرأت لافتة كبيرة خط عليها كلية الآداب عندما دخلت أول يوم من حياتي الجامعية . وهرعت باكياً إلى أمي عندما انغرست قطعة من الزجاج في قدمي اليمنى فأسرعتْ والدتي لإخراجها وتضميد الجرح الذي لطخ ثوب والدتي الجديد حينها مما زاد في ألمي . وتبرعت بدمٍ لصديقي الذي صعقني خبر إصابته بإطلاق نار ،و.............

إنها ليست ساعة الاحتضار .. كلا! هي ساعة أقسى منها واشد وقوعاً ، مددت يدي لأسلم جواز سفري إلى موظف المطار ولانتظر الروتين الذي شعرت حينها بأنه حقاً قاتل ومدمر . لم يخطر في ذهني يوماً ولا في ذهن أي من معارفي ان اترك وطني . ولكن ماذا أقول للظرف الذي كمم فمي وعصّب عيني وشد وثاقي ودفعني الى المكان الذي ها انذا اقف فيه حاملاً حقيبة سفري وذكرياتي في آن واحد ، فقد ملأتها بالصور وقصاصات الورق التي دونّت عليها أحلى الذكريات.

جلست على كرسي الاحتضار .... اقصد الانتظار وان كان لافرق بينهما بالنسبة لي الآن ، لاني شعرت حينها ان كل جزء من قلبي يتمزق أوصالاً على هواء لن استنشقه بعد الان وعلى أناس سوف لن تطالعني وجوههم وابتساماتهم كل صباح ، رفعتُ رأسي بحسرة فرـأيت ذلك الموظف الذي سلمته جواز سفري يشير الي ويتحدث مع ضابط المطار . لم اعر  اهتماماً لذلك لاني واثق كل الوثوق من إني اسير طوال حياتي في ظل القانون ، عدت إلى مذكراتي فتناهت الى سمعي قهقهات أصحابي وأصوات مزاحهم ترتفع عالياً وسط زقاقنا الذي لم يكن ينيره سوى مصباح واحد لطالما جلسنا تحت نوره . وعلى الرغم من انهم شجعوني على ان ابحث عن مستقبلي خارج الوطن الا ان دموعهم صباح ذلك اليوم أدمت قلبي . شعرت فجأة بصغر وتفاهة هذا العالم من حولي .

وبينما انا في خضم هذه الأمواج المتلاطمة شعرت ان شخصاً يتجه نحوي ويقترب مني ، رفعت رأسي لأرى ذلك الضابط وفي يده جواز سفري ، صافحني على عجل وسالني ان اتبعه . اطعته فدخلنا الى غرفة مليئة بالحركة ومكتظة بالعاملين ، كان المقصود شخصاً يبدو انه اعل ى مرتبة من رفيقي الذي حدثه بصوت اقرب الى الهمس ... ثم رحل .

أومأ إليّ ذلك الشخص بإيماءة الجلوس فجلست أمامه وبادرني بالسؤال :

- هل تسافر للمرة الاولى ؟    فأجبت

- نعم هي المرة الاولى لي ..... هل من خطأ ؟!!!!

- ياعزيزي !!! إجراءاتك سليمة بأكملها الا ان اسم والدك لو قرأته جيداً لوجدت انه مختلف بحرف واحد عما موجود في باقي الوثائق الرسمية .

كان من المفترض بي في حال كهذا ان اشعر بالاستياء ، الا اني بدلاً عن ذلك تعلقت بهذه القشة التي أنقذتني من غرق محتوم وزاد من سعادتي ماقاله بعد ذلك :-

عليك ان تؤجل سفرك حتى يتم تصحيح هذا الحرف ومن ثم تسافر بعدها في أمان الله .

ضحكت في قرارة نفسي من فكرة محاولة السفر مرة اخرى فهرعت الى حقيبة سفري لأعود أدراجي وارتمي في أحضان وطني الذي تعاهدت معه منذ ذلك الوقت على ان لا اتركه ابداً ، وقررت ان اقبل جبين والدي الذي أنقذني حتى دون ان يشعر .... وانسى ان هنالك كون واسع من حولي واكتفي بوطن أسميت العالم من حولي بأسمه .... العراق ......

 

 1/12/2007

 
 

 العودة الى صفحة أدب