|
|
|
زيدان حمود
القصيدة التفاعلية ، أو القصيدة الرقمية أو الألكترونية هي شكل جديد من أشكال الشعر الحديث الذي يعتمد الآليات المتطورة في الحاسبة الإلكترونية ، والتي تعتمد الصورة والموسيقى والاسترجاع ، جنبا إلى جنب مع القصيدة المتخطية لحدود النمط الواحد ، الباحثة عن أفاق أكثر رحابة وسعة للإيغال في فضاءات النفس الإنسانية ، لكشف أغوارها العميقة من خلال التفاعل المشترك بين الشاعر ومتلقيه ، وهي أي القصيدة عبارة عن بانوروما متحركة ، في حدود الذات الخالقة ، المبدعة مع الذات الأخرى المتذوقة أو المتفحصة أو المشاركة في ذات الوقت ، حيث تعتمد القصيدة على الكلمة المرادفة للصورة بأشكالها المتعددة ، المتحركة والثابتة ، جنبا إلى جنب مع الموسيقى أو المؤثر الصوتي الفاعل والمتحرك هو الآخر ، لدفع القصيدة باتجاه التناغم والاكتشاف . تبدأ قصيدة ( تباريح رقمية لسيرة بعضها ازرق ) للشاعر مشتاق عباس معن ، بفضاء ازرق يصدمك فيه صوت الكمان الجنوبي الشجي ، وأنت تتطلع إلى حتفك المرسوم فوق فم مكبل بلسانيين صارخين وفكين متباعدين ، وعبارة عمودية بكلمات منفردة فيها تعين مطلق على تخمر الموت في الجسد الفاني ، إلى حالة أسمى من الغياب ولكن بوجود أزلي .
وفي اليسار ضغطتين متتابعتين باستطالة الاشتياق لعالم المعرفة الدفين في ضلوع البوح ، حيث :
افتتاحية ناجحة تسيطر فيها الصورة ، وتطوف حولها الموسيقى الجنوبية في شعاع صاف من التأمل الصوفي إلى رحلة كونية مجهولة في فضاءات الشاعر القصية بغية اكتشاف أولي ، تلحقه اكتشافات أخرى إلى متاهات ابعد . هي قصيدة في التداخل ، قصيدة في الألم ، قصيدة في البوح ، قصيدة في الشكوى والولوج إلى عوالم داخلية في النفس ، يكتمها الصهيل المحتبس عميقا ، ويفجرها صوت الموسيقى وساعات دالي السائلة كما الزئبق في الزمن الغائر بعد الضغطة الأولى في ضلوع البوح .. حيث اللون الأصفر المؤطر بعبارة تدور في مجال احمر ، كما شريط الأخبار اليومي الذي ينذر بلا جدوى التريث حيث العجالة في كل شيء ( عاجل .. باتجاه مخيف تأخذني خطوتي .. فهي تعرف أسرار كل المخاطر .. لكنها تشتهي أن تقامر في لوعتي دائما ..) العبارة تسير أمام النص الذي تربعت بجانبه لوحة سلفادور دالي عن الزمن ، حيث الساعات السائلة والمتدلية ، والمتناثرة عقاربها كديدان خرساء ، إلى جانب شجرة جرداء طواها الزمن ، وتحجر على أغصانها المتيبسة .. فضاءات دالي الغريبة تتداخل مع عمق كلمات الشاعر وتدور معها في مدارات عنيفة هي أشبه ما تكون بمخيلة استنزفت ذكرياتها ، فما عادت تميز بين خطوط الضوء ، أو تلك المساحات الغارقة في عتمة الضياع ، حيث يقول في جزء من قصيدته .. في مدار عتيق .. أجلت شمسه ضوء ذاك النهار فوق تلك الديار التي لم يطأ أرضها صوت خطو السنين ..
وبعدها يستمر الشاعر بتلك اللغة الغريبة الموحية إلى ضياع أكيد في عمر الزمن المتداخل مع البحث عن طريق جديد يوصل إلى مدار جديد .. ولكن فجأة وفجأة ، كما يسترسل في القصيدة .. في مساء غريب عانقت خطوتي خصر درب جديد غير إن الطريق الذي باركته خطاي لفني من جديد نحو ذاك الطريق العتيق ... هي ذات الطريق ، وهو ذات الالتفاف الموصل إلى نهاية معتمة . العتمة ذاتها ، والطريق الوحيدة الموصلة إلى تقاطع الطرق المؤدية في نهاية الأمر إلى البداية ذاتها دوران مستمر وتفاعل في اللاجدوى ، وموسيقى تعبر عن حزن دفين لخسارة أكيدة، في زمن سال من أعمارنا كزيت المحرك المحترق مع زمن دالي ، في أروقة العهر المتصارعة في دهاليز التخبط المستمر ، للمحافظة على أوليات البقاء الثابتة في التحصن أو التعفن ، في التحرك أو الخروج .. يحاول مشتاق في هذا المجال أن يحرك الزمن إلى زمن آخر ، زمن تكون فيه الصورة رديفا للصوت ، وعونا للكلمة في الخروج عن معايير التقليد ، إلى أبعاد أكثر تجاوزا ، وتقدما ، وارتقاء لمفهوم الكلمة في تصديها للتحجر الشعري الثابت على ورق يتعفن عل رفوف أكلتها الأرضة ، في الزمن الذي تدور فيه عجلة التكنولوجيا نحو أفاق أكثر ابتعاد عن زمننا هذا . فهو يحاول من خلال التشكيل الحديث بتجريديته المتجاوزة ، للتجسيد المباشر لما هو منقول في حياة قاسية رتيبة إلى ما هو ابعد من ذلك في معادلة بين تجريدية اللوحة الصارخة الألوان ، وذلك التصور الهادئ للنور في زحفه نحو هامة الليل ، وما يرافقه من هواجس دفينة وذكريات الطفولة المترسبة في الذاكرة كنثار الوجع المحصور في زجاجة مغلقة طافية على كم هائل من الأمواج . هو لا يترك القصيدة تعبر عما تجسده الكلمات لنوازعه الداخلية ، وأحلام الطفولة الغافية على عتبة الذكريات ، وإنما يوظف كل شيء ناطق في ذاكرة الحاسبة الالكترونية ، للتفاعل الخلاق مع القصيدة ، للانتقال بها إلى عوالم أكثر إيغالا ، لكشف التصورات الحبيسة ، في مخيلة غضة لطفل يراقب الغيوم مع جدته التي توقد مساءا ته الباردة بالحكايات ، تلك الحكايات التي تتناسل في القصيدة منذ بداياتها الأولى ، في لوحتها المنبثقة من عالم النص المتماسك والمتشابك في ذات الوقت ، مع تجريدية اللوحة التشكيلية المتمخضة في رحم القصيدة ، تكوينا وفعلا تعكسه الكلمات الطافية على بحر من نور ، في تخيلات شتى لعوالم الماء والغيوم وما تتركه ، الخلفية الخلاقة في اللوحة القصيدة حيث يقول .. ( رذاذ من النور يزحف في هامة الليل يمد هشيم انكسار الصباحات فهي منذ فجر الولادة ما انفك يأكلها الغيم قضمة قضمة وهي باذخة في السكون ...... هكذا كنت أراقبها في الليالي الكبيسة جدتي أقنعتني بأن الغيوم ستحنو فالغيوم تشيخ عندها ستمطر أضراسها ويصحو الصباح )
ثم ينتقل إلى جو آخر مشحون بالقلق والتوتر ، والحصار المدمر الذي أغلق جفنيه الثقيلتين على معالم الحياة المبصرة ، فأحالها إلى عتمة داكنة ، عبر عنها بلوحة جرداء لقدم حافية ، وساق عارية بانت عضلاتها كجزء من الأرض الممحلة ، وكأنها امتداد آخر لجسد القصيدة في جزء آخر منها استخدم فيه الشعر العمودي ، حيث يقول
ولقد مشيت وما علمت بأنني أمشي ودربي يقتفي آثاري امشي يمينا ولكن لا أرى لي خطوة أمشي يمينا وهو محض يساري
وكأن التواصل المترابط بالدلالات ، يشير إلى خيط خفي يربط بين الأنماط الشعرية الثلاثة التي استخدمها الشاعر في قصيدته الواحدة ، المتشظية وغير المجزأة . الشعر العمودي يتلاقح مع شعر التفعيلة ، وتعطي قصيدة النثر شكل اللوحة الموحية بالموسيقى لعالم تثقله العتمة ، وينهمر فيه الضوء كانثيالات مفاجئة ، لفك الشفرات المرسلة عبر تقاطعات الهوامش ، مع النصائح المتشعبة من المتن ، حتى تصبح الدلالات موحية بشكل مكشوف أحيانا ، وغارق في التشفير في أحيان أخرى . فهو عندما يقول يعقوب يا وطني المحاصر بالعمى !
لا نحتاج إلى كثير من التفسير لإحالة يعقوب إلى دلالته الموحية للعمى في البيت التالي ، حيث الحصار الثقافي المخيم على عقولنا طويلا ، بديلا عن الجوع الذي تخمر في أحشائنا سنينا طويلة لينز عنه جوعا آخر ، هو أكثر رعبا من رغيف الخبز المفقود . مشتاق في تجربته هذه يمنحك المتعة في التذوق الشعري ، منسجما مع صوت الموسيقى ، وعذوبة الكلمات المتخطية في سحرية الشعر . وكما في قصيدته يعقوب ، التي سأشير اليها كاملة لعذوبتها .. يعقـــــــوب ياوطني المحاصر بالعمى من أين لي بقميص الوتر الذي خاطته لي كف النخيل ؟ وأنا الذي تخضّر في شفتي أهداب الرحيل . لا ذئب يأكل غربتي ! لا جب يغسل من جبيني قحط ألامي وأوجاع السنين ! * * * يعقـــــــــوب يا أبتي المكبل بالظلام حتام يغمرك الغمام ... وأنت متن رقصت على أكتافه الشمس .... أأ ظل مقدودا ... واعد متكأ لمن يهوى قميصي كي يــقــــــد ...! أأظل مقدودا هناك ... وصاحبي يغفو و لا يدري بأن الطير يأكل رأسه ... ويطير ... ؟ ! * * * يعقــــــــــوب يا أبتي المعفر بالنحيب ! أتظل مبيض العيون ... وأظل آكل سنبلا لا حب فيه ! ؟ وأشرب من كؤوس لفها الوحل العجاف ! ؟ . حتــّام انشر ما حصدت .. وإلام يا أبتي .... ؟! فهل يما ستسجد شمسنا ؟ أم سوف أبقى في العراء وأنت يأكلك العمى ؟! إن متعة القراءة في هذه القصيدة لاكتمل في حدود قراءتها فقط ، وإنما تتخطاها إلى عوالم أكثر سخونة ، تترابط معها في المعنى مع الموسيقى واللوحة وذلك التداخل الجميل بين المتن ومكملات القصيدة الأخرى في الهوامش والتكملة والحواشي والرجوع الذي يحيلك إلى أصل الحكاية أو الموضوع ، أنت لا تقرأ قصيدة فحسب ، إنما تتنقل عبر مراحل متواصلة لمشاوير عديدة ، تبدأ عند خط شروع ثابت أو محنة محددة ، وتبقى تدور في جدول متغير ، لكنه متواصل هو الآخر في حدود التركيبة الأولى للقصيدة الأم ، أو المحور الثابت للحكاية أو الواقعة إذا جاز لنا التعبير عنها بهذا الشكل، فبعد الاستمتاع الأولي لقصيدة يعقوب ، لا ينقلك الشاعر طواعية إلى قصيدة أخرى أو تركيبة جديدة لا علاقة لها بهذه القصيدة المتماسكة في الكلمات ومكملاتها في الصوت والصورة ، وإنما يخيرك في الرحيل إلى فضاءات جديدة ، أو العودة إلى حيث المركب الراسي في جزيرة دالي وساعاته التي تبعث دقات متواصلة ، وسط قداس جنائزي يوحي بخراب السنين ، ويؤكد استمرارية المأساة المتجددة في الأنتقالة الأخرى إلى حيث القصيدة العمودية الجديدة ، التي تنذر بالفجيعة بعد العمى ، عندما يقول الشاعر محذرا ...
تمهل أيها البحر الأعـــــف سيسرق ماءك الرقراق جرف وتشربك السـواقي آسنـــات وتحفر في محاجرك الأكـــف
ويخنق موجك المجداف ســـرا وفي مرساك كل الغدر يغــفو يكور في حناياك المنـــايـــا ليغرقك الخريـــر المستخف تـــرجل فالصحارى فاغــرات وحضن الرمل أودية يـــزف ليحضـن ما تبقى من هديــــر تشظى فهو في غبــش يلـف
إن خارطة النزوح ، وتحذير التمهل خشية سرقة الماء الرقراق ، تكون معه في التضاد تماما الصورة المرافقة للمشهد الشعري ذاك ، في تحقيق فعل السرقة رغم التحذير ، والصورة عبارة عن ارض نزح عنها الماء وتشققت تربتها ، وجفت العروق في كف لامست القيح الذي افرزه التراب ، في تمسك وتوسل شديدين . الصورة بالأسود والأبيض ، وكأنما أراد الشاعر في ذلك أن يبعد بهجة الأشياء المتمثلة في اللون ، عبر الوصف الشعري المستغيث ، ترافقه الموسيقى الجنائزية التي تنشر الفجيعة ، كما سحابة راحلة صوب شواطئ لم يمسها الضيم . لم تتوقف القصيدة عند حدود معينة ، وإنما كان الأشتغال عليها ذكيا بما لامس شغاف الوجع العراقي المركون في ظلمته ، فكانت بحق قصيدة تستحق الإعجاب . إن الشاعر مشتاق عباس معن .. اوجد في قصيدته هذه توازنا جميلا في لغة العصر ، التي هي أحوج ماتكون لتكنولوجيا القرن ، المتمثلة في علمية وعملية الحاسبة الالكترونية ، وما تبثه الشبكة العنكبوتة من معلومة في غاية الدقة والسرعة ، تماشيا مع متطلبات الإنسان الباحث عن اكتشافات أعمق وأدق في أصل الأشياء . يتحول القارئ لقصيدة منشورة في كتاب ، حيث تتركز ذهنيته وتتوقف حواسه في ذائقة الاستمتاع بما هو مكتوب في تلك القصيدة .. إلى قاريء مشارك ، متحفز الحواس ، شديد الإدراك في القصيدة التفاعلية حيث ( الماوس ) الذي يحدد حركة الذهن المتوقفة على ما هو مكتوب في القصيدة الورقية ، إلى ناقل حيوي لتوزيع الحركة ، والانتقال بها إلى عوالم متجددة ، في قصيدة متجددة هي الأخرى . أمنياتنا للشاعر المبدع مشتاق عباس معن إلى مزيد من العطاءات الجديدة في مجال القصيدة التفاعلية ، لا سيما وهو أول رائد عربي في هذا المضمار ، يستحق الريادة والتقدير بجدارة .
************ |